كيف تقضي إجازة الربيع الشيخ عبد الرحمن السديس 2024.

كيف تقضي إجازة الربيع .. الشيخ عبد الرحمن السديس
كيف تقضي إجازة الربيع .. الشيخ عبد الرحمن السديس
كيف تقضي إجازة الربيع .. الشيخ عبد الرحمن السديس

دار

كيف تقضي إجازة الربيع .. الشيخ عبد الرحمن السديس

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمداً عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، ورضي الله عن صحابته الكرام، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله: سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وأحمد الله تبارك وتعالى، الذي هيأ لي هذا اللقاء الطيب المبارك بكم في بيتٍ من بيوت الله، التي يجب أن تعمر بذكر الله – سبحانه وتعالى -، في هذه الليلة نلتقي مع إخوتنا في مدينة جدة، سواء أكانوا من الإخوة المقيمين فيها، أم من الزائرين لها في هذه الإجازة التي تسمى: بإجازة الربيع، ولا شك أن هذه الإجازة وغيرها، ينبغي أن تكون موسماً للخير والفضيلة، وعمارة القلوب بما يقرب إلى الله تبارك وتعالى؛ لأن الله – سبحانه – إنما خلقنا لتحقيق العبودية له – جل وعلا -، وينبغي أن نشغل بهذه الرسالة أوقاتنا كلها؛ أوقات فراغنا وأوقات شغلنا، أوقات صحتنا ومرضنا، أوقات كبرنا وصغرنا يقول – تعالى -: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162-163].
ونحن اليوم أيها الإخوة الأحبة!

في عصرٍ طغت فيه الماديات، وكثرت فيه المغريات، وشغل فيه كثيرٌ من المسلمين عن تحقيق ما يجب عليهم في هذه الحياة، والوقائع والصور والأحوال والحوادث تترجم ذلك، فكثيرٌ من الناس هدانا الله وإياهم في غفلةٍ عما خلق له: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) [الأنبياء: 1-3].
فيجب على العبد إذا أراد نجاته في هذه الحياة، ويوم عرضه على مولاه، أن يعمر أوقاته بما يقرب إلى الله تبارك وتعالى، وليس معنى ذلك: ألا يجعل الإنسان لنفسه فرصةً للترويح والتسلية وعمل ما يباح من الأمور، لكن أن تكون حياته كلها يطغى فيها الهزل واللهو والعبث، فليس هذا بصحيح، وليست هذه حياة المسلمين الصادقين في إيمانهم ويقينهم.
ولما كان الناس في مثل هذه العطلة والإجازة، تغلب عليهم الغفلة، انظروا إلى أحوال كثيرٍ من الناس الذين أتوا لزيارة هذه المدينة، تجد أن الكثير منهم يفهمون أن مجيئهم لهذه المدينة وغيرها، إنما هو للترويح عن أنفسهم، ولو عملوا ما يغضب الله – عز وجل -، وهذه مصيبةٌ كبرى، ولهذا تجد فئاماً من الشباب، الذين أهملوا واجبهم، وغفلوا عن تحقيق رسالتهم، وضيعوا شبابهم، وأعمارهم، في أمورٍ محرمة، تجدهم يعيشون في مثل هذه الأوقات حياة اللهو، والعبث والمجون، وتضييع الأوقات، وتضييع فرائض الله – عز وجل -، والوقوع في ما حرم – سبحانه وتعالى -، وهذه مصيبةٌ كبرى، أن يغفل الناس عن واجبهم، وعن تحقيق رسالتهم في هذه الدنيا.
أما المؤمنون الصادقون، المؤمنون الحريصون على ما يقربهم إلى الله، فحياتهم وقلوبهم كلها ربيع؛ ربيعٌ بذكر الله، ربيعٌ بإيمانهم بالله، ربيعٌ بذكر الله -عز وجل- وتلاوة كتابه، ومجالسة الصالحين من عباده، يستوي في ذلك عندهم أوقات فراغهم وشغلهم، فكلها في خير، وإن لم يعملوا طاعة فلا يقعوا في معصية، وهذا أمرٌ ينبغي أن يتفطن له الناس، لا سيما في مثل هذه الأيام.


أيها الإخوة في الله: إن الموضوع الذي أراده إخوتنا في الحديث وللحديث حوله موضوعٌ في غاية الأهمية؛ لأنه يتعلق بعضوٍ هو أهم الأعضاء على الإطلاق، فمعلومٌ أن الله – سبحانه وتعالى – خلق الإنسان في هذه الحياة وصوره فأحسن صورته، ووهبه الجوارح والأعضاء من الأيدي والأرجل، ووهبه السمع والبصر، لكنه وهبه – جل وعلا – عضواً هو أهم هذه الأعضاء على الإطلاق؛ ذلكم هو القلب!.


فالقلب هو ملك الأعضاء، إذا صلح صلحَ الجسد كله، وإذا فسد فسدَ الجسد كله، كما صح في ذلكم الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))

الراوي: النعمان بن بشير المحدث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 1599
خلاصة حكم المحدث: صحيح

بل إني أكاد أقول: إن الأزمة التي تمر بها الأمة بل يمر بها العالم اليوم، هي أزمة القلوب!!
فقلوب الناس إلا من رحم الله قاسيةٌ بعيدةٌ عن الله – عز وجل -، قلوب كثيرٍ من الناس في غفلة عن تحقيق ما خلقت لأجله، أمراض القلوب المستعصية والمنتشرة في هذا الزمان ما أكثرها، ويهون طب الأبدان إذا بلي الإنسان بمرض الأديان، فطب الأبدان أمرٌ سهل يعالج عند أقرب طبيب وأقرب مستشفى، والناس يهتمون به في الغالب، فما أن يصاب الإنسان بمرضٍ في جسده، حتى يهرع لأفخم طبيب، ويسأل عن أحسن مستشفى، بل لربما يسافر الأميال والمسافات الطويلة؛ لأجل علاج مرضٍ جسدي، لكن كثيراً منهم يغفلون عن أمراض قلوبهم، وهي في الحقيقة الأمراض الخطيرة، كثيرٌ من الناس تجده في صحة في بدنه، وفي سعةٍ في ماله، ولكن قلبه مريضٌ بالمعصية، والعياذ بالله، فيجب على المسلمين ويجب على الشباب، ويجب حتى على طلبة العلم، أن يُعنوا بشأن قلوبهم، وليست الأزمة التي يمر بها العالم اليوم
أزمة فكر؟!
ولا أزمة مادة؟!
ولا أزمة ثقافة؟!
بقدر ما هي أزمة صلاح القلوب والأرواح: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) [الشورى: 52].
ويقول الله – عز وجل – عن الكفار: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف: 5]، (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) [التوبة: 127]، ويقول عن المنافقين: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) [البقرة: 10]، ولكنه أخبر عن أهل الإيمان: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن: 11].
فيا أيها الإخوة: إن علينا أن نعنى بشأن القلوب، وبصلاحها، فكثيرٌ من الناس يعتني بجسده، والاعتناء بالجسد إذا لم يكن على حساب الروح والقلب لا بأس به، ولكن أن يُشغل الناس بأجسادهم ويغفلوا عن قلوبهم وأرواحهم، فهذا شأن الغافلين:
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته *** أتعبت نفسك فيما فيه خسرانُ
أقبل على الروح فاستكمل فضائلها *** فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
أيها الإخوة: إن كثيراً من المسلمين هدانا الله وإياهم في غفلةٍ عن قلوبهم، ولهذا حرص الإسلام على تربية قلوب المسلمين، وبُعث محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – لعمارة القلوب بالإيمان وما يقرب إلى الله – عز وجل -، والنبي – عليه الصلاة والسلام – حينما أنقذ هذه الأمة، لم ينقذها بالسلاح المادي، ولا بالتعبئة الجسدية، وإنما هي في الحقيقة بتربية القلوب على الإيمان، فكان سلف هذه الأمة وصحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أقلية في أعدادهم وعتادهم، ولكنهم أرهبوا الأمم، ودمروا جميع الحضارات والعروش الكافرة؛ لأنهم تربوا على الإيمان بالله، وعمرت قلوبهم بما يقربهم إلى الله، وهكذا حال المسلمين في كل زمان ومكان، إذا اعتنوا بقلوبهم وأرواحهم، وحرصوا على عمارتها بما يقرب إلى الله – عز وجل -، وعالجوا أمراضها وأدواءها وما أكثرها، حين ذاك تصلح أحوالهم.
إذا كان المسلمون اليوم أكثر من مليار مسلم، وأحوال الأمة الإسلامية في بقاع شتى، أحوالٌ مبكية، وأوضاع مزرية، فما السر فيما أصاب المسلمين؟!
وما السر في أحوال المسلمين المتردية؟!
إن القضية قضية قلوب، لم تعمر قلوب الناس بالإيمان، وإنما دمرت بالمعاصي والذنوب التي غشت القلوب حتى أعمتها والعياذ بالله، فالقلوب تعمى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46].
الذين لا يعرفون المساجد، ولا يعرفون بيوت الله، ولا يعرفون القرآن، ولا يعرفون الإيمان، ما هي أحوال قلوبهم؟!
قلوبٌ منتكسة!

قلوبٌ ميتة!
قلوبٌ خاوية!!
والعياذ بالله، ولكن هذا هو العطب، فإنه لا ينجو من عذاب الله، إلا صاحب القلب السليم: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88-89]، والقلب السليم: هو القلب المؤمن الموحد الذي لم تخالطه الأمور الشركية، ولا الأمور المبتدعة.
ولهذا فإن ربيع القلوب أيها الإخوة!
ليس في أن يذهب الناس على الشواطئ، والمنتزهات، والبراري، ويضيعوا الأوقات ويعمروها باللهو والأكل والشرب، ويتركوا الفرائض، ولكنها تعمر بالإيمان بالله.
الأمة اليوم لا ينقصها أعداد، ولا ينقصها عتاد، ولكن ينقصها رجالٌ مؤمنون موحدون، والخير في هذه الأمة باقٍ، وأهل الإيمان ولله الحمد والمنة في ازديادٍ وكثرة، لكن لا تزال الكثرة الكاثرة غثاءً كغثاء السيل، ينبغي أن نعود إلى قلوبنا، فننظر مدى عمارتها بتوحيد الله، نحن أمة توحيدٍ وعقيدة، أمة إيمانٍ بالله -عز وجل-، وهذا هو الذي يعمر القلوب في الحقيقة، فينبغي على المسلم أن يحرص على الإيمان والتوحيد علماً وعملاً واعتقاداً، وأن يجالس أهله، وأن يبتعد عما يخالف العقيدة الصحيحة؛ فإنها تخدش إيمانه، وتسود قلبه، وتجعله معرضاً عن الله -عز وجل-.
كذلك من الأمور التي ينبغي أن تعمر فيها القلوب وتحيا: الإقبال على كتاب الله، الإقبال على القرآن يقول – تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57] نعم.
شفاء لما في الصدور، شفاءٌ من أمراض الشهوات، وأمراض الشبهات التي تصد القلوب عما يقرب الله – عز وجل -.
ونحن اليوم أيها الإخوة! في عصرٍ أصيبت به كثيرٌ من القلوب بالوهن، والمرض، والفيروسات التي تضر القلوب كثيرةٌ جداً، فيحتاج الإنسان إلى مراجعةٍ جادة، ومحاسبة دقيقة لقلبه وإيمانه.
إذا نظرت فيك ضعفاً في الاعتقاد، وضعفاً في الإيمان، فارجع إلى قلبك.
إذا رأيت في نفسك تساهلاً في الصلوات فارجع إلى قلبك.
إذا نظرت إلى قلبك ونفسك تبغض أهل الخير، وتضيق في مجالستهم، ومجالسة الذكر وحلق العلم، فداو قلبك فإنك مريض.
إذا رأيت نفسك ميالةً إلى الغناء والمزامير، فداو قلبك فإنه مريض.
إذا رأيت قلبك منساقاً إلى الشهوات، والتوسع في المباحات، تحب أصناف المأكولات، وتجعلها شغلك الشاغل، وتحب المغريات والماديات، ولا تتحدث إلا عن الدنيا، فارجع إلى قلبك فإنه مريض.
يعاني المسلمون وتعاني المجتمعات، بل يعاني العالم اليوم من أمراضٍ نفسية؛ قلق، اكتئاب، انفصام الشخصية، أمراض نفسية، كثرة الوساوس والهموم، كثرة المس والسحر والشعوذة، وما إلى ذلك، والسبب: أن القلوب غُفِل عنها.
فينبغي أن يعلم الناس: أن ما أصيب به العالم اليوم، إنما هو بسبب خواء القلوب من الإيمان، أو ضعف الإيمان فيها، ولا يمكن أن يعالج أصحاب الأمراض النفسية عند الأطباء النفسيين الماديين، مهما علت مراتبهم ومؤهلاتهم وشهاداتهم، لا علاج إلا القرآن وشفاءٌ لما في الصدور: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ) [فصلت: 44]، (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً) [الإسراء: 82].
فهذا هو العلاج؛ الإقبال على القرآن!! لكن مع الأسف أن كثيراً من المسلمين هدانا الله وإياهم انصرفوا وغفلوا عن القرآن وتلاوته وحفظه، ومراجعة معانيه وتدبر آياته..
بل إننا لا نبالغ إذا قلنا: إن بعض المنتسبين إلى الخير، وأهل الالتزام والإقبال على الله، هم في تقصير مع القرآن، ونحن لا نريد شباباً التزامه هشَّ، والتزامه ظاهري، وإنما نريد قلوباً يعمرها الإيمان والقرآن.
فيا أيها الشباب: ويا طلبة العلم! إن أهم ما عنيتم به، وينبغي أن تعتنوا به: الإقبال على القرآن، حينما يأتي إليك شابٌ ملتزم ظاهره الصلاح، ولكنه لا يحفظ القرآن، أو لا يقرأ القرآن قراءةً صحيحة، فإن في التزامه دخناً، وينبغي أن يعالج نفسه، وأن يعرف أن التزام القلوب وصلاحها أهم من التزامه ظاهراً، وإن كان الأمران جميعاً مطلوبين لكنَّ العناية بأمور الباطن، وأمور القلوب، هي الأمور التي ينبغي أن تستحوذ على همم أهل الخير والصلاح.
نعم، ينبغي أن يتربى الشباب على القرآن، وينبغي أن يعنى الدعاة إلى الله بالقرآن، نرى كثيراً من الناس، ينصرفون إلى قضايا فكرية على سبيل المثال، وهذا لا محظور فيه، ينبغي على الإنسان أن يكون فكره فكراً نيراً صحيحاً سليماً، وليس مخلطاً، ولا ملوثاً باللوثات المنحرفة، لكن لا نربي نحن فكراً مع خواء الروح والقلوب، ينبغي أولاً: أن نعنى بشأن الإيمان والعقيدة والعلم الشرعي الذي نواته الإقبال على كتاب الله – عز وجل – وتلاوته وحفظه، وخذ من أمور الفكر بطرف، وكن على معرفة، وخذ من أمور الواقع ومعرفة أحوال المسلمين بطرف، لكن لا يكون هذا هو الاهتمام الكلي، ينبغي أن تعمر القلوب بالذكر: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].
في عصر القلق والاكتئاب، والمصائب والأمور النفسية، لا طمأنينة للقلوب إلا بالإقبال على الله، فحياة القلوب بذكر الله -عز وجل- والإيمان به: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) [الأنعام: 122].
فينبغي على المسلم: أن يعنى بكتاب الله، لا سيما الشباب وطلبة العلم والأخيار والملتزمون، ينبغي أن يعنوا وأن يربوا أنفسهم على القرآن، لأننا نرى أن قلوب بعضهم قاسية، وتحتاج إلى من يلينها، ولا ملين إلا كتاب الله -عز وجل-.
وفي المقابل أناسٌ يعتنون بالأمور القلبية، ويهتمون بها، وقد يحدثون في دين الله من الأذكار ما ليس منه، وهذا أمرٌ ليس بصحيح.
ينبغي على المسلم أن يعلم: أنه لا حياة للقلوب إلا بالسير على منهج السلف الصالح، والتزام سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -، والبعد عن المحدثات، ولهذا شطح كثيرٌ من أرباب التصوف لما اعتنوا بالأمور القلبية، ولكنهم لم يهتموا بالبناء على العلم الشرعي، والعقيدة الصحيحة، واتباع سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -.
فنظروا إلى الإسلام، إلى الجوانب القلبية، وهز الرءوس والتقشف والزهد، دون أن يبنى ذلك على عقيدة صحيحة سلفية، وإيمانٍ وقرآن، واتباع لسنة الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم -.
كذلك أيها الإخوة: مما ينبغي أن يعتني به المسلم لصلاح قلبه ولدواء قلبه: أن يكون القلب سليماً؛ سليماً من الدخل والدخن، وسليماً أيضاً من اللوثات التي تلوث القلب، ومما يكون في النفوس والقلوب والصدور: من الغل، أو الحقد، أو الحسد، أو البغضاء، أو الشحناء على أحدٍ من المسلمين، طهارة القلوب من هذه الأدواء والأمراض طريقٌ لربيعها وصلاحها.
أما أن تكون القلوب مليئة بالأحقاد، والحسد، وتتبع العثرات، وتلمس النقائص والسوءات، فهذا مرض ينبغي أن يعالج أصحابه قبل أن يستفحل أمرهم.
وإذا نظرت إلى أحوال الناس اليوم، تجد أن هذه الأدواء تضرب بأطنابها في قلوبهم، فأصيب الناس بالفرقة والخلاف، ووجد في الصدور والقلوب ضد المسلمين، بل ضد طلبة العلم، والدعاة إلى الله، والعلماء، وهذه مصيبة أن يوجد هذا في قلوب الإسلام، وأهل الإيمان، فالحسد، والكيد والبغضاء، والشحناء خطرها عظيم، وضررها جسيم، ينبغي للمسلم أن ينور قلبه، ويعالج أن تقع فيه هذه الأدواء، فتحب لإخوانك المسلمين ما تحب لنفسك، وتدعو لهم، وتعرف فضلهم، وخيرهم، وسبقهم، وتعرف حسناتهم، أما أن تلغي الإنسان لمجرد خطأ وقع فيه، أو سوء ظنٍ منك، أو حرصٍ من الشيطان على أن يوقع بينك وبين إخوانك، فلا تجد هماً لك، إلا أن تبث الفرقة والخلاف في الأمة، فهذا داءٌ خطير، وينبغي أن يُفهم من هذا أنه ليس معنى ذلك، أننا لا نبين الأخطاء، لا، ينبغي أن يبين الخطأ، كائناً من كان من أتى به، لكن لا داعي إلى التشهير، والتعيير والتجريح والثلم، بشكلٍ ظاهر، ويجعل الهوى متمكناً ودليلاً على أصحاب هؤلاء على هذا الفعل، وهؤلاء الذين يقومون به.
أرجو أن يفهم ما أردت تماماً، فنحن لا نجامل في عقيدتنا، ولا في إيماننا، وينبغي أن يقال للمخطئ: أخطأت حتى لا يغتر الناس بالخطأ، لكن نلتمس المعاذير، المؤمن يلتمس المعاذير والمنافق يتتبع الزلات، من الذي لا يخطئ؟!

ومن الذي ما ساء قط؟!
الناس كلها تخطئ فلو أن واحداً من الحاضرين أتى اليوم لتتبع خطأ المتحدث، لكان هذا أمراً خطيراً أن يأتي الإنسان لأجل أن يتتبع الأخطاء، اسمع الكلام واعرف المراد منه، وكن حسن الظن بإخوانك المسلمين، سليم النية، طيب الطوية، لا تحمل في قلبك غلاً ولا حقداً ولا حسداً على أحدٍ من إخوانك المسلمين، ولو كان عامياً، فضلاً عن أن يكون طالب علم، أو أن يكون معروفاً بالخير والحرص على ما يفيد الأمة، ولا ينافي هذا كما قلت أننا نبين الخطأ ونذكره حتى لا يغتر به الناس، ولا نغلو في أحدٍ من الناس كائناً من كان، الحق أحب إلينا من الرجال، لكننا نعرف للمحسن إحسانه، وندعو للمخطئ ونسأل الله أن يغفر زلَلَـه، هذا هو منهج المسلم الحق.
أما الذين يعمرون قلوبهم بالغل والحقد والشحناء، ويربون الناس على هذا، ويربون الشباب على هذه الأمور، وعسى ألا يكون أحداً منهم موجوداً، وهم قلة ولله الحمد والمنة، فهذا أمرٌ ينبغي أن نتنبه له.
إذا أردنا أن نركز في الحديث لنضع أسباب حياة القلوب وسلامتها، فنقول:
الإيمان القوي، والاعتقاد السليم: قال – تعالى -: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 2-4].
القرآن مادة حياة القلوب، وكم نسمع من كتاب الله في مقابل ما نسمع من غيره؟
وكم نقضي من الأوقات مع كتاب الله في مقابل ما نقضي من الأوقات مع غيره؟

حتى لو كان الإنسان في طلب علم، فينبغي أن يركز على القرآن، ويجعل لكل فنٍ قدراً.
قال – تعالى -: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].


أين الذاكرون الله كثيراً، والذاكرات؟!


هم ولله الحمد موجودون، لكنك إذا نظرت إلى الحياة الصاخبة من حولك تجد أن هؤلاء قليل في عموم كثير من الناس.
ينبغي أن نعمر القلوب بذكر الله، حتى بعض أهل الخير، وبعض المحسوبين على الصلاح، وهم من أهل الصلاح، تجد قلوباً قاسية، ذكرهم لله قليل؛ وهذه صفة من صفات المنافقين، عافانا الله وإياكم قال – تعالى -: (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) [النساء: 142].
فينبغي على المسلم أن يعود لسانه دائماً ذكر الله، يذكر الله – عز وجل – في جميع أحيانه وأحواله، كما كان – عليه الصلاة والسلام -.
وإذا نظرت إلى التربية من حولك تجد العجب في موضوع التربية، فبعض الناس يتربى على أمورٍ بدنية وجسدية، وبعضهم يتربى على أمورٍ عقلية وفكرية، وآخرون على جوانب وعظية في قلة من العلم، وأناسٌ قبعوا في مكتباتهم، يدَّعون أنهم على علم، والمسلم يأخذ من جميع هذه الجوانب التي يستطيع أن يكمل بها شخصيته.
فأولاً: الاعتقاد السليم، ثم العلم الشرعي، الذي ينبغي أن نحرص عليه، وأن يحرص شبابنا عليه.
أيضاً: ذكر الله – عز وجل -، وفيه الأجر العظيم، والخير الكثير يقول – تعالى -: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]، ((مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره مثل الحي والميت))، فذكر الله – عز وجل – أمره عظيم، لكن تقصيرنا فيه عجيب، التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى – عليه الصلاة والسلام -، كل ذلك مما يعمر القلوب، لكن الناس في غفلة، أما المنحرفون، فصدتهم الأغاني الخليعة، والمزامير، والكلمات الخادعة والمبتذلة، وهؤلاء ينبغي أن يُدْعَوا، وأن يفيئوا إلى رشدهم، وأن يتوبوا إلى ربهم، قبل أن تحلَّ بهم ساعة الاحتضار، فيندم حيث لا ينفع الندم، وكثيرٌ من الناس حتى من أهل الخير والصلاح مقصر في هذه الجوانب، فعلى المسلم أن يكمل نفسه في هذا الأمر.


أيضاً من أسباب علاجها وحياتها: صفاء القلوب من الغل والحقد والحسد والبغضاء: وليس المسلم مطالباً بالنقد، كما يحاول بعض الناس أن يحرص على هذه الأمور بقدر ما هو بحاجة أن يكمل نفسه، قبل أن تنتقد الآخرين كمِّل نفسك أنت، وابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها، وقوِّمها على طاعة الله – عز وجل -، أما أن يتربى الشباب وهم صغار في مراحل المتوسطة والثانوية على النقد، فلا يتركون أحداً إلا نقدوه؛ نقدوا العلماء، ونقدوا الولاة، ونقدوا العالم جميعاً، ومعنى أن الذي يصدر نفسه للنقد أنه يرى أنه هو السالم من الأخطاء وأن الناس كلهم على خطأ، نعم، نحن مطالبون بالنصيحة الشرعية، ونعرف أسلوبها، فللولاة أسلوبهم في النصيحة، وللعلماء إن قصروا أسلوب، وللدعاة والعلماء وطلبة العلم بعضهم مع بعض أسلوب، لكن أن تظل الأمة في فرقة وخلافات، وكلٌ يدعو لنفسه وينتصر لنفسه، ويرى أنه هو الذي على الحق، ويظل الناس في حيرة واضطراب، فهذا هو البلاء الذي وقع فيه كثيرٌ من الناس، حتى انفصمت عرى المحبة والأخوة، وأصبح الإنسان لا يهتم إلا بنقد الآخرين، وهذه مصيبة.


أيضاً من الأمور المهمة: أن نعلم أننا إخوة في الله، ومتحابون في الله، وأن محبتنا وأخوتنا تسمو على الخلافات، ووجهات النظر، ولهذا ينبغي أن يعرف المسلمون ولا سيما طلبة العلم، آداب الخلاف، تعرف ما هي الوسائل والأسباب والمسائل والفروع التي لا غضاضة فيها أن يوجد بين طلبة العلم خلافٌ فيها، وبين الأمور التي لا عذر للإنسان في الخلاف فيها.


إي نعم، فهذه مسائل مهمة جداً، ولا يمكن أن يعملها الناس إلا باصطحاب العلماء، وملازمتهم، وثني الركب في حلق العلم والعلماء، والاستفادة منهم، مع سلامة الصدور لأهل الإيمان.


لا تصاب بالأسى والأسف، إلا حينما يأتيك أحد، ويقول: ما رأيك بالعالم الفلاني؟
من أنا ومن أنت حتى نتكلم في هؤلاء؟

لكن إن أخطأ أحد فنصحه واجب وخطؤه مردود عليه، وينبغي أن يبين، لكن ينبغي ألا يكون الهوى وهو المرض الخطير الذي تصاب به القلوب: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) [الجاثية: 23]، فالهوى مرضٌ خطير إذا أصاب القلوب أعماها، وأقفلها، ولا علاج للهوى إلا بتقديم النصوص والبعد عن الهوى.
فيا أيها الإخوة: هذه جملة من أسباب حياة القلوب: الصفاء، والأخوة، والمحبة في الله – عز وجل -، هي التي ينبغي أن تعمر قلوب الناس، مع ما سبق بيانه.
ومن الأخطار الخطيرة التي ينبغي أن يتنبه لها الناس؛ أسباب مرض القلوب، وأسباب قسوتها من الوقوع في الأمور المحرمة، لا سيما الأمور الشركية والبدع والمحدثات.
المعاصي والذنوب: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14]، ولهذا ورد في الحديث: ((إن العبد إذا أذنب نكتت في قلبه نكتةٌ سوداء فإن تاب وأقلع صقل منها، وإن عاد عادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي ذكر الله

الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني – المصدر: صحيح الجامع – الصفحة أو الرقم: 1670
خلاصة حكم المحدث: حسن



يقول الله: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14])).
فالناس اليوم عمتهم الذنوب والمعاصي إلا من رحم الله، في جميع الجوانب؛ في البيوت وفي الأسواق، وفي المنتزهات، وعلى الشواطئ، وفي الشوارع، ذنوب تتعلق بالاعتقاد والعبادات -يعني في جانبها- وفي الأخلاق والقيم في تقصير الناس في هذه الأمور، لا سيما في مثل هذا العصر، الذي هو عصرٌ غزي فيه المسلمون بوسائل جديدة تبث الفساد والانحراف، وتقضي على صحة القلوب، فينبغي على المسلمين أن يحذروا هذه الأمور.
من أسباب أمراض القلوب: الإعراض عن ذكر الله – عز وجل -، وعدم تدبر القرآن يقول الله: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمد: 24]، الإعراض عن القرآن سببٌ لموت القلوب.
إن الوقوع في الحسد والغل والحقد والبغضاء، والوقوع في أعراض المسلمين، وأمراض الغيبة والنميمة، وكلام الناس بعضهم ببعض، كل ذلك من أمراض القلوب، فلو كان القلب سليماً للزم اللسان الصمت، ولم يذكر إلا الخير، وإذا كان هناك من خطأ فينصح صاحبه سراً، لا سيما إذا كان من العلماء، أو إذا كان من المسئولين والولاة، فليس من العلاج أن يتكلم الناس في المجالس وفي المنابر على أخطاء الناس ولاةً أو غير ولاة، أو علماء، فللولاة نصحهم المشروع، ينصحون فيما بينك وبينهم، ويبين لهم وهذا دليل صدقك معهم، وسمعتك وطاعتك لهم بالمعروف.
أما الذين يشهرون فهؤلاء لا يحلون مشكلاً، ولا يغيرون منكراً، ويوغرون صدور الناس على من ولاهم الله أمرهم، وعلى علمائهم، وعلى أهل الخير فيهم.
فينبغي أن يتواصى المسلمون، وأرباب الإصلاح في معرفة الطريق الصحيح، ولقد ثبت بالتجربة أن أسلوب التشهير ليس طريقاً للعلاج، وإنما قد يضر الدعوة وأهلها، إنه لا طريق للعلاج إلا الالتحام بعلمائنا الكبار ذوي العلم والخبرة والتجربة وممن لا يشك أحد أنهم ممن أنصح الناس لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، لكنهم لعلمهم وفقههم وتجربتهم الطويلة عرفوا طريق العلاج.


أما أن يأتي الإنسان بغيرته وحماسه وهذه تحمد فيه، لكن ينبغي أن يكون ذلك مهذباً ومنضبطاً بالضوابط الشرعية، ومأخوذاً من أهل العلم ومرجوعاً فيه إلى القيادات العلمية التي تعرف وتوصل إلى الطريق الأسلم في هذه الأمور حتى لا تقع الأمة في فتن لا يعلم مداها إلا الله.
أيها الإخوة: الربيع وربيع القلوب موضوعٌ جد مهم، وينبغي أن نُعنى به غاية العناية وأن نهتم به، والحقيقة هي كلمات ذكرتها وخواطر في النفس والقلب أبثها لكم راجياً أن تكون موقظةً للقلوب، لأننا بحاجة أن نسمع الخير والذكر فتنفتح له قلوبنا.
أما أن نسمع ولا نتأثر وتظل القلوب على ما هي عليه فهذا مرض، ولهذا فكل مسلم، وكل من سمع هذا الحديث فإنني أطالبه أن يعرض اليوم قلبه على العيادة الصحية التي هي -الحقيقة- ما ذكرناه من الأمور؛ الإيمان، القرآن، الذكر، العلم، صفاء القلوب، الأخوة في الله – عز وجل -، ذكر الله – سبحانه وتعالى -، وما إلى ذلك، وعليه أن يعالج القلب أكثر من أن يحرص على علاج بدنه، وهذه قضية تربوية ينبغي أن نربي الأبناء والبنات والأسر، على العناية بقلوبهم:
وإذا حلت الهداية قلباً *** نشطت بالعبادة الأعضاءُ
ولو أن الدعاة إلى الله والمصلحين ركزوا على موضوع القلوب عقيدةً وإيماناً وذكراً؛ لأصبح الحال أحسن مما هو عليه، ولتوارت كثير من الأخطاء الموجودة في الساحة ولسلمت القلوب، أما أن يُعتنى بقضايا أخرى على حساب هذه الأمور فذلك تقصير في حق هذا الموضوع المهم، وإن شاء الله – عز وجل – أن يكون عرض هذا الموضوع في هذه الإجازة التي يظن كثيرٌ من الناس أنها ربيعٌ للأبدان، ربيعٌ للأجساد، يتمتعون بها، لكنهم قد يقضون على قلوبهم والعياذ بالله.
أيضاً من أسباب علاج القلوب أيها الأخوة: أكل الحلال، والبعد عن الحرام، أكل الحرام يضر في القلب، وحدِّث ولا حرج اليوم عن المعاملات التي يتعامل بها كثيرٌ من الناس وهي محرمة، وما ذلك إلا لأن الدنيا طغت على القلوب والعياذ بالله.
أيضاً: غض البصر، والبعد عن الوسائل المغرية، ولهذا الذين يقعون في الفساد والانحراف تجد أن الشهوة هي التي كانت سبباً وراء وقوعهم في هذه الأمور، ولهذا على الإنسان أن يعالج الشهوة التي في نفسه بالعلاج الشرعي وهو الزواج أو الصيام والبعد عن الوسائل المغريات.
فيا شباب الإسلام: احرصوا على عمارة قلوبكم بما يقربكم إلى الله، ربوا القلوب على القرآن، وعلى الإيمان، وعلى ذكر الله – عز وجل -، والبعد عما حرم الله – سبحانه وتعالى -.
هذا الأمر الذي ينبغي أن أنبه عليه، ولعل في هذه الكلمات ما يكفي ويشفي في هذا الموضوع، والحقيقة أنه موضوعٌ هام، جاء ذكر القلوب في كتاب الله – عز وجل – قرابة مائة واثنين وأربعين مرة، وما يتصرف عن كلمة قلب، وقلوب ونحوها.
وأما في السنة، ففي أحاديث كثيرة قرابة أربعمائة أو تزيد، فهذا دليل على العناية بهذا الجانب المهم، والرسول – عليه الصلاة والسلام – إنما ربى قلوب الأمة، ولهذا الآن يتساءل كثيرٌ من الناس في منهج الدعوة الصحيح وطريق الدعوة الصحيح، ونحن لا نخطِّئ، أو لا نقع في عرض أحد من الناس أفراداً أو جماعات، ولكن يهمنا أن يسلك شبابنا المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله، وهي أن يعلموا أنه لا طريق للدعوة إلا عن طريق دعوة محمد بن عبد الله – عليه الصلاة والسلام -.
فهذه الفُرقة التي مُني بها الناس، لا سيما في شأن الدعوة ينبغي أن تُحل بأن يسلك الجميع طريق النبي – عليه الصلاة والسلام – في الدعوة من التركيز على العقيدة والإيمان والقرآن والعناية بالقلوب، وأن يكُمِّل الإنسان نفسه من الأمور التي يحتاجها عصره وواقعه، ولا غضاضة في ذلك، المهم أن نبني الناس على منهجٍ شرعي سليم، على العلم بكتاب الله وسنة رسوله – عليه الصلاة والسلام -، مع أنه ينبغي أن نحرص -كما قلت- وأكررها لأننا في مصيبةٍ عظمى، منها: في قضية الفرقة والخلاف، فلنحذر ولنعرف أدب الخلاف، ولنعرف مساغات الخلاف، وما يسوغ فيه الخلاف، وما لا يسوغ فيه، ولتسلم صدورنا لإخواننا الدعاة، ولإخواننا العلماء، ويعلم الله أننا نحب الحاضرين جميعاً، وإخواننا طلبة العلم والدعاة إلى الله نحبهم في الله، ولا نعرفهم، أو قد لا نعرفهم ما دام أنهم على الخير وعلى المنهج وعلى الطريق الصحيح، هذا الذي ينبغي أن نسلكه، أما أن نقع في مشكلات ومصائب وفرقة وخلافات لا أول لها ولا آخر، فهذا يستفيد منه العدو المتربص.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، وأرانا الحق حقاً ورزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ورزقنا اجتنابه، وأصلح قلوبنا وأعمالنا بمنه وكرمه، كما نسأله -تعالى- أن يجمع قلوب المسلمين على الحق والهدى، وأن يوفق ولاة أمورهم لما فيه خير الإسلام وصلاح المسلمين، وأن يوفق علماءهم ودعاتهم لبذل المزيد من التوجيه للأمة الإسلامية جميعاً، وأن يرزق الشباب وطلبة العلم الوحدة والاتفاق، وأن يبعدهم ويجنبهم نزغات الشيطان والهوى بمنه وكرمه، كما نسأله – تعالى -أن يصلح ضال المسلمين، وأن يهيئ لأمة الإسلام من أمرها رشداً، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

كيف تقضي إجازة الربيع .. الشيخ عبد الرحمن السديس
كيف تقضي إجازة الربيع .. الشيخ عبد الرحمن السديس
كيف تقضي إجازة الربيع .. الشيخ عبد الرحمن السديس

سلمت يمينك عبير
ويارب تطهر قلوبنا
وترزقنا حسن عبادته دائما وابدا
بارك الله فيك اختي
ولا حرمك الله الاجر
بارك الله فيكِ بعملك وعلمك
نفع الله بكِ الاسلام والمسلمين
سلمت يمنياك لمنقولك المهم
جزاك الله الجنة

دار

اللـَّــ̯͡ﮭ يعطيك. العافيه ع الطرح

دار

جزاك الله خير الجزاء
مواضيعك جميلة وهادفهـ ولها من الفائدهـ الشي الكبير ….
موضوع رائع وطرح اروع
سلمت يداكِ

دار

ماذا تفعل إذا ركبتك الهموم – الشيخ محمد صالح المنجد 2024.

ماذا تفعل إذا ركبتك الهموم – الشيخ محمد صالح المنجد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: لقد خلق الله الدنيا مميزة عن الآخرة، وجعل في دار الابتلاء بضد ما في دار الكرامة، فكما أن دار الكرامة وهي الجنة لا هم فيها، ولا حزن، ولا غم، ولا ألم، فإن في الجنة ما به تسر أرواح المؤمنين، وما يكون فيه بهجة ولذة دائمة.

وأما الدنيا، فهي دار هموم وغموم، وأحزان وآلام، ولكن من رحمة الله –تعالى- أنه يخلق الداء ويخلق الدواء، ويقدر هذا الألم، ويعرفنا بما يعالجه ويزيله.

وكثيراً ما تركب الإنسان في الدنيا هموم وغموم وأحزان، فالحزن في الحاضر، والغم على شيء مضى، والهم من شيء سيأتي.

فماذا يفعل الإنسان إذا أصابته الهموم والأحزان، وما هي العلاجات الشرعية عندما تركبه هذه الآلام؟

إن هنالك كثيراً من الأمور في الكتاب والسنة، فمن هذا: أن يستصحب الإنسان المسلم معية الله –تعالى-، فالله -عز وجل- مع عبده المؤمن، وهذه ثمرة الإيمان، هذه ثمرة صحة الاعتقاد، هذه فائدة التوحيد، ألم تر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ركب الحزن قلب صاحبه قال له: "لا تحزن إن الله معنا" [رواه البخاري 3652].

فداوى حزن صاحبه بتذكيره بمعية الله، فإذا شعر العبد المؤمن أن الله معه، أن الله -سبحانه وتعالى -يداويه ويعالجه، أن ربه -سبحانه وتعالى- متكفل به، فهو إذا توكل عليه، وفوض الأمر إليه، أزاح همه، وأزال غمه، وعالج حزنه سبحانه وتعالى.

وكذلك: أن يعلم العبد أن هذه طبيعة الدنيا، فعند ذلك يسري عن نفسه بأنه أمر لا بد منه، ولا يمكن النجاة والفكاك من هذا بالكلية؛ لأنه طبع فيها.

ولذلك كان من المعالجات للهموم والغموم والأحزان بدلاً من الحبوب المهدئة، والعلاجات المشكوك فيها، بدلاً من المنومات المضرة: أن يجعل المسلم همه الآخرة، فإن من جعل همه في الآخرة وقاه الله هموم الدنيا، وعالج قلبه من وطأتها.

وكذلك من العلاجات: كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك جاء في حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه-: أنه كان له ورد يقوله، وأدعية في وقت من يومه، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: كم أجعل لك من دعائي، من وردي؟

قال: "ما شئت" قال: الربع، قال: "ما شئت" قال: الثلث؟
قال: "ما شئت" قال: النصف؟
قال: "ما شئت" قال: إذن أجعل لك دعائي، وأجعل وردي وذكري هذا كله صلاة عليك، قال: "إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك"[رواه الترمذي 2457].

إذن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- تزيل الهموم، ويكفى الإنسان بها من الغموم.

وكذلك من العلاجات القرآنية النبوية: هذه الأدعية التي علمنا إياها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم"[رواه البخاري 7431].

إذن "لا إله إلا الله الحليم الكريم" تهليلة مختومة باسمين عظيمين: "لا إله إلا الله رب العرش العظيم"، القدرة "لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم".

كذلك علمنا أن نقول إذا أصاب أحدنا هم أو غم: "اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك" التحكم الكامل.

"ناصيتي بيدك، عدلٌ فيّ قضاؤك" هذا اعتراف مهم جداً، مهما كتبت علي لا اعتراض، مهما كتبت علي، ذهاب نفوس، خسارة أموال، ظلم يقع علي من أقارب أو أباعد، مهما كتبت علي أنا ملكك، إنا لله وإنا إليه راجعون.

"عدلٌ في قضاؤك" لا يوجد تبرم من القضاء، اعتراف العبد بعدل الله حتى في حال الحزن والغم والهم والمصائب التي تغشاه.

"ماضٍ في حكمك" هذا الاستسلام للقضاء والقدر.

"أسألك بكل اسم هو لك" سؤال الله بأسمائه وصفاته سؤال عظيم، وفي الدعاء شأنه عظيم.

"أسألك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه"[رواه أحمد 4318].

هذا دعاء علمنا إياه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمر بتعلمه، فشأنه وأثره والتداوي به نافع جداً.

دعوات المكروب: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث"[رواه الترمذي 3524].

"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن"[رواه البخاري 2893].

الاستعاذة نافعة أيضاً.

وكذلك -يا مسلم يا عبد الله-: أن تعلم بأن الغموم والهموم والأحزان مهما بلغت، مهما بلغت فإن لها نهاية حتى لو كان الموت والذهاب من الدنيا، لكن الذهاب على دين وإيمان، قال: المؤمن مستريح، الموتى نوعان: مستريح ومستراح منه، المؤمن يستريح من هم الدنيا، وغمها، وعنائها، ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي، أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن روح المؤمن إذا قبضت وذهب بها إلى أرواح المؤمنين واجتمع بهم وجعل بعضهم يسأله: ما فعل فلان؟ ما خبر فلان؟ فيقول بعضهم لبعض: "دعوه فإنه كان في غم الدنيا"[رواه النسائي 1833].

ألم تر أنه قال في الدعاء: "وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون"[رواه الترمذي 3233].

وكذلك: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر"[رواه مسلم 2720].

المؤمن في النهاية حتى لو وصلت إلى الموت راحة، لكن الله -عز وجل- يخفف، ويهون، ويزيل، ويقشع، ويذهب، وهو على كل شيء قدير.

ثم أيضاً من المعالجات: النظر في إيجابيات المكروه الذي حصل، والغم الذي نشأ عنه، والحزن والهموم التي تركب، مثل حديث: "لا يفرك مؤمن مؤمنة" لا يكره "إن كره منها خلقاً رضي بآخر" [رواه مسلم 1469].

ولذلك قد تكون أحياناً المصائب التي تقع فيها جانب خير؛ مثل حديث: "ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه"[رواه البخاري 5641].

فهذا مؤلم لكن له فائدة، ومن تأمل حديث: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير"[رواه مسلم 2999].

عرف هذا المقصود، يعني: أنه حتى الأشياء السيئة التي تحصل والمكروهة والمؤلمة له فيها خير، عبد الله بن المغفل -رضي الله عنه- روى حديثاً عجيباً، أن رجلاً قد يكون حديث عهد بالإسلام، وجد امرأة كانت بغياً ثم أسلمت، فجعل يكلمها حتى بسط يده إليها، فقالت: مه، جاء الله بالإسلام، يعني حرم هذا، فارعوى الرجل واستدار وانصرف، فلقيه جدار شجه، جعل ينزف، فذهب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره، حصل مني كذا وكذا وصار لي بعدها مباشرة كذا وكذا، قال: "أنت عبد أراد الله بك خيراً" لماذا؟ قال: "من أراد الله به خيراً عجل له عقوبة ذنبه"[رواه أحمد 16806].

ومن أراد به غير ذلك سيلقى هذه الآثام أكواماً يوماً الدين، يوافى بها كلها، إذن، هذا الشيء المؤلم فيه فائدة، كفارات.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد، حامل لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، وأزواجه، وصحابته، والتابعين، وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله:

الصلاة، الصلاة: "أرحنا بها يا بلال"[رواه الطبراني في المعجم الكبير 6215].

الصلاة لو كانت خاشعة تزيل الهموم حقاً: "كان إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة".

وكذلك ذكره، وتلاوة كتابه، والمواضع التي تسكن الآلام من كتابه.

وكان الشافعي -رحمه الله- لما مرض أمر رجلاً أن يقرأ عليه آيات آل عمران التي فيها ما حصل للصحابة من الغم العظيم: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ سورة)[آل عمران:165].

(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا)[آل عمران:139].

وذكر ما في هذه المصائب من الفوائد: (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ)[آل عمران:141].

ليميز الله، ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا.

عباد الله: وإن اللجوء إلى الله في وقت الأزمات والملمات، وإنزال الحاجة به، وهو سبحانه كريم وعلى كل شيء قدير، سريع المفعول.

والله عندما نرى كثرة ما يصيب الناس من الأزمات النفسية، والاكتئاب، والإحباط، والانهيارات العصبية، وأحياناً ما يؤدي إلى الانتحار، والذهاب إلى الأطباء النفسانيين، والتكلفة الباهظة والمئات والآلاف، وجلسات المعالجات النفسية عند الأخصائي النفسي، والجلسة بكذا، وماذا تقول؟! استرخِ! عبر عما في نفسك! حبوب مهدئة! ماذا لديهم؟!.

لكن ما عند الله أعظم، ما في الكتاب والسنة أعظم، هذه علاجات -يا جماعة- ما لها أي نتائج سلبية، ولا مضاعفات جانبية، وإذا كانت تلك ظنية الفائدة هذه قطعية الفائدة، والمفعول أقوى، والنتائج أسرع.

العلاء الحضرمي -رضي الله عنه- رجل عجيب، من الصحابة من أولياء الله، لما صارت ردة العرب، أرسله أبو بكر -رضي الله عنه- على رأس جيش من المسلمين؛ لقتال المرتدين في شرق الجزيرة، فساروا وساروا ثم نزلوا منزلاً أول ما نزلوا قالوا: نفرت الإبل التي عليها خيامهم، وطعامهم، وزادهم، وشرابهم، وكل شيء، نفرت، وهربت وشردت، وحاولوا اللحاق بها ما استطاعوا فركب الناس هم عظيم، وقعدوا حتى جعل بعضهم يوصي بعضاً؛ لأنهم شعروا بقرب الهلاك، والموت في هذه المفازة، وهذه الصحراء، فقال لهم العلاء -رضي الله عنه-: ألستم أنصار الله؟ ألم تخرجوا في سبيله؟ أليس هو على كل شيء قدير؟ قوموا فادعوه، وجعل يرفع يديه ويدعو وهم يؤمنون، وألح بالدعاء وألح، قال: فأنبع الله بجانبهم ماءاً فلما شربوا منه رجعت إليهم إبلهم كلها لم يفقدوا منها واحداً، الدعاء مفعوله عظيم، والله يجيب دعوة المضطر.

العلاجات في الكتاب والسنة -أيها الإخوة- لموضوع الهموم والغموم، والآلام والأحزان، موضوع واسع، وفي علاجات كثيرة، وحتى الأشياء المادية، فمثلاً أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التلبينة: تجم الفؤاد: "إنه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم"[رواه ابن ماجة 3445].

يعني: المريض المرض الحسي، وكذلك المعلول العلة المعنوية

"التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن"[رواه البخاري 5417].

وقد وصف العلماء التلبينة: بأنها حساء الشعير، وقال بعضهم: حساء الدقيق.

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والأليق بالمريض المرض الحسي أن تطبخ له حبوباً غير مطحونة، والمريض أو المعلول بالآلام النفسية أن يكون ذلك الشعير مطحوناً" -الحساء- وقال بعضهم: يجعل معه العسل.

وكانت عائشة -رضي الله عنها-: إذا أصاب أحداً من أهلها مصيبة أمرت له بالتلبينة، هذا الحساء يجم، والله خالق الأطعمة، ويجعل ما شاء من الخصائص فيها.

الشاهد -أيها الإخوة-: أن الشرع هذا كامل وعظيم وما في شيء تركه: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)[الأنعام:38].

وكم يحتاج الناس إلى هذه الأشياء في الدنيا التي نعيشها الآن، في هذا العصر، وهذا الأوان، الذي كثرت فيه المصائب، وكثرت فيه الآلام والأحزان، كثر فيه الظلم، عم فيه الطغيان، صار بعض الناس يأكل بعضاً.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة.

وهكذا، وهكذا.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر لنا أجمعين، وأن يتوب علينا ويلحقنا بالصالحين.

اللهم اقض ديوننا، واكشف غمومنا، اللهم اغفر ذنوبنا، واهد ضالنا، واشف مريضنا، وارحم ميتنا، واجمع على الحق كلمتنا.

اللهم إنا نسألك الأمن والإيمان يا رحمن أخرجنا من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا، أدخلنا الجنة مع الأبرار، أعتقنا بفضلك من النار.

اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه وأنت على كل شيء قدير، وأنت الكريم الرحيم الحليم العلي العظيم، اللهم إنا نسألك أن تعجل الفرج لإخواننا المستضعفين يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا، وأهلينا وأموالنا، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، واجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، يا رحمن يا رحيم.

لا تخرجنا من هذا البيت من بيوتك إلا وقد غفرت لنا، وكتبتنا من عتقائك من النار، يا رب العالمين يا أرحم الراحمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

عظم الله أجرك شيخنا الجليل
وجمعك الله وولدك بجناته اللهم آميين
والهم قلبك الصبر والسلوان

اللهم امين
وجزاك الله خير اخت عبير
والهم الله شيخنا الصبر والسلوان
وثبتنا عند الشدائد والمصائب
ولا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم
ولا حرمك الله الاجر
تقبلي ودي واحترامي
بارك الله فيك يا اخت واكقر من امثالك ..
فى انتظار المزيد .. ورحم الله شيخنا ..
دار

دار

دار
أختي الغالية
جزاكِ ربي كل الخير وكتب أجركِ
وسلمتي ياقلبي موضوع مهم
وانار الله قلوب الجميع بذكر الرحمن
جزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,
دارداردار
دار

دار

العمل التطوعى اهميته وآثاره – الشيخ سعود الشريم 2024.

العمل التطوعى اهميته وآثاره – الشيخ سعود الشريم


الحمد لله الكبير المُتعال، ذي العزَّة والكمال والجلال، بيده مقاليدُ السماوات والأرض يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريد وإليه المردُّ والمآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، عظيمُ السَّجايا كريمُ الخِصال، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فإن الوصيةَ المبذولةَ لي ولكم – أيها الناس – هي تقوى الله – سبحانه -؛ فما خابَ من عضَّ عليها بالنواجِذ، واتَّقى ربَّه في منشطِه ومكرهِه، وغضبِه ورِضاه، هي النورُ في الظُّلَم، والحادي في الغُربَة والمُلِمَّات، (( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )) [النور: 52].

أيها الناس:

إن من أهم سِمات المُجتمع الناجِح المُتكامِل: أن يكون في بُنيانِه مُتماسِكًا، تجمعُه لبِناتٌ مرصوصة تُمثِّلُ حقيقةَ أفرادِه وبَنِيه، لا تختلِفُ فيه لبِنَةٌ عن أخرى، ولا فرقَ فيها بين ما يكونُ منها أسفلَ البِناءِ أو أعلاه؛ لأن البِناءَ لن يكون راسِيًا يسنُدُ بعضُه بعضًا إلا بهذا المجموع، ومتى كان التصدُّع أو الإهمال لأي لبِنَةٍ من لبِنَاته فإنه التفكُّكُ والانفِطار ما منه بُدٌّ، فضلاً عن أن هذا بدايةُ تساقُطه شيئًا فشيئًا. وهذه حالُ كل مُجتمع وواقعُه.
ولذا فإن المُجتمع إذا لم يكن كالأسرة الواحِدة في ترابُطه وتعاهُدِ بعضِهم بعضًا، وأن يسمعَ الشريفُ للوضيع، والغنيُّ للفقير، والكبيرُ للصغير، وألا يشعُر أيُّ فردٍ بين المُجتمع أنه إنما يعيشُ وحدَه؛ كالعِيس في البَيْداء مهما كان بين ظهرانَي أمةٍ مُترامِيَة في بُقعةٍ واحدةٍ.

نعم، إنه إذا لم يكن المُجتمعُ بهذه الصورة فإنه يأذَن لنفسِه بالنُّفرة والتفرُّق، ويُمهِّدُ الطريقَ لمعاوِل الأنانِيَّة والأثَرة وعدم الاكتِراث بالآخرين، وما قيمةُ مُجتمعٍ الهَدمُ فيه أكثرُ من البِناء.

إنه مهما بلَغَت الدول من العَظَمة والثَّروات والتقدُّم الاقتصاديّ فلن يكون ذلكم وحده كافِيًا في تلبِيَة جميع رغباتِ أفرادِها، وتحقُّق جميع تطلُّعاتهم لحظةَ الاحتِياج، فضلاً عن تحقيقها على الدَّوام.

وهنا يأتي دورُ المُجتمع المُترابِط المُتماسِك، حينما تُذكَى بين جَنَبَاته روحُ العمل التطوُّعي الذي يُعدُّ رُكنًا أساسًا من أركان رأبِ صَدع الشُّعوب المادِّي، والاجتِماعيِّ، والغذائيِّ، والأمنيِّ، والفِكريِّ، وغير ذلكم من الضرورات والحاجيَّات والتحسينَات.

إنه حينما يعُمُّ العملُ التطوُّعيُّ جنَبَات المُجتمع، ويفرِضُ نفسَه شُعورًا ساميًّا لذَوِيه وبنِي مُجتمعه ليقضِيَنَّ على الأثَرَة والشُّحِّ والاحتِكار والمَسْكَنة، شريطةَ ألا تغتالَ صفاءَه أبعادٌ مصلحيَّةٌ أو حِزبيَّةٌ أو إقليميَّةٌ، وليس هناك حدٌّ لمن يحقُّ له أن يستفيدَ من العمل التطوُّعيِّ؛ فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر»؛ رواه البخاري ومسلم.

العملُ التطوُّعيُّ – عباد الله – لا يُحدُّ بحدٍّ، ولا ينتهِي بزمنٍ، وامتِدادُ حدِّه بامتِدادِ طبيعتِه؛ فكلُّ عملٍ احتِسابيٍّ لا نظرةَ فيه للأُجرة والمِنَّة فهو تطوُّعيٌّ إذا كان في وجهِ خيرٍ، وهو مُمتدٌّ ومُتَّسِعٌ بامتِداد واتِّساع كلمةِ "خيرٍ"، وهو هنا يختلفُ بعضَ الشيء عن العملِ الخيريِّ؛ لأن العملَ التطوُّعيَّ يكونُ بالمُبادَرة قبل الطلَب، بخلافِ العملِ الخيريِّ؛ فإنه – في الغالب – لا يكون إلا بعد الطلَب، وكلا العَمَلَيْن وجهان لعُملةٍ واحِدةٍ. مُحصِّلتُهما: بذلُ المعروف للناس دون أُجرةٍ أو مِنَّةٍ، وإنما احتِسابًا لما عند الله، (( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا )) [الإنسان: 9].

إن كل عاقلٍ يُدرِكُ أن قيمةَ المُجتمعات في نُهوضِها والحِفاظ على نفسِها من التهالُك والتصدُّع، ويُدرِكُ أن العملَ التطوُّعيَّ مطلبٌ منشودٌ في جميعِ الشرائع السماوية والوضعيَّة، في الإسلام وقبل الإسلام.
وهو علامةٌ بارِزةٌ على صفاء معدن صاحبِه ونخوَته وعاطفته ولُطفِه؛ لأن هذه صفاتُ من خلقَهم الله حُنفاء ولم تجتلْهُم شياطينُ الأنانية وحبّ الذات.

ولا أدلَّ على ذلكم من قولِ خديجَة – رضي الله تعالى عنها – تصِفُ حالَ النبي – صلى الله عليه وسلم – قبلَ البِعثة حينما جاءَها من دار حِراء، بعد أن رأى جبريلَ – عليه السلام -، فقال لها: «لقد خشيتُ على نفسي». فقالت له: "كلا، أبشر؛ فوالله لا يُخزيكَ الله أبدًا، والله إنك لتصِلُ الرَّحِمَ، وتصدقُ الحديثَ، وتحمِلُ الكلَّ، وتكسِبُ المعدومَ، وتقرِي الضيفَ، وتُعينُ على نوائِبِ الحقِّ"؛ رواه البخاري ومسلم.

وإن مما يُؤكِّدُ أن العملَ التطوُّعيَّ فطرةٌ سوِيَّةٌ في الإسلام وقبل الإسلام: ما ذكرَه حكيمُ بن حِزامٍ – رضي الله تعالى عنه – لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال له: يا رسول الله! أرأيتَ أمورًا كنتُ أتحنَّثُ بها في الجاهِليَّة؛ من صدقةٍ، أو عتاقةٍ، أو صِلَة رحِمٍ، أفيها أجرٌ؟
فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أسلَمتَ على ما أسلَفتَ من خيرٍ»؛ رواه مسلم.

هذه هي سَعَةُ الإسلام وسمَاحتُه ورحمتُه؛ إنه الحثُّ على البرِّ والتعاوُن عليه، وتلمُّس احتِياجات الناس.
والعملُ التطوُّعيُّ إنما هو ترجمانٌ لصورةٍ من صُور الإسلام الرَّاشِدة الخالِدة التي تتَّصِفُ بالشُّموليَّة وتنوُّع مجالات العمل التطوُّعيِّ، لتشملَ الأهدافَ التنمويَّة؛ ففي المجالِ الاقتصاديِّ يُمثِّلُ العملُ التطوُّعيُّ الاهتمامَ الدقيقَ من خلال بذل الأوقاف وتفعيل الوعيِ للأنشِطة الوقفيَّة؛ لأن لها أثرًا بالِغًا في تنميَة الاقتصاد؛ حيث تتَّسعُ الحركةُ الماليَّة مع حفظِ الأصول المُثمِرة من الاندِثار.

وقولوا مثلَ ذلكم في المجال الفِكريِّ، والاجتماعيِّ، والدعويِّ، وما شابَه، شريطةَ أن يخرجَ عن إطار الرَّتابَة والبُرود إلى دائرة المُواكَبة، ومُسابَقة الزمن، واستِقطاب الكفاءات، وإنشاء مكاتب الدراسات والبُحوث التي تُعنَى بحاجات المُجتمع وحُلولها، وتطرحُ الدراسات العلاجِيَّة والوِقائيَّة من خلال توعِية المُجتمع بقيمَة العمل التطوُّعيِّ، وأثره في التقارُب الاجتماعيِّ المعيشيِّ، والإحساس الدينيِّ.

ولو نظرنا نظرةً خاطِفةً إلى مجالٍ واحدٍ من مجالات العمل التطوُّعيِّ، وهو: سدُّ العَوزَة والفقر، وإكساب المَعدومين؛ لوَجَدنا أن الذي يُنفِقُه المُوسِرُون على الترفُّه والتحسينات رُبَّما سدَّ حاجات فُقراء بلدةٍ بأكلمها.
ولو نظَرنا إلى كُلفَة فرحٍ من أفراح الأغنياء لأدرَكنا أن نِصفَها لو كان لإطعام يتيمٍ ذي مقرَبةٍ، أو مِسكينٍ ذي مترَبَةٍ لكان في ذلك من البركةِ للزوجَين، وجَبْر كسرِ قلوبِ الفقراء، واتِّقاءً للعين والحسد، والعقوبة على السَّرَف والبَذْخ، (( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا )) [الإسراء: 26، 27].

هذا هو دينُنا، وهكذا علَّمَنا نبيُّنا – صلى الله عليه وسلم -، إنه يُريدُ منا جميعًا أن نكونَ أيادِيَ خيرٍ وبناءٍ وسدادٍ، نعملُ ولا نقعُدُ، ونشعُر بالآخر لا نصُمُّ عنه ونعمَى؛ فقد قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «على كل مُسلمٍ صدقةٌ».
قيل: أرأيتَ إن لم يجِد؟
قال: «يعملُ بيدَيْه، فينفعُ نفسَه ويتصدَّق». قيل: أرأيتَ إن لم يستطِع؟
قال: «يُعينُ ذا الحاجَة الملهُوف». قيل له: أرأيتَ إن لم يستطِع؟
قال: «يأمُرُ بالمعروف أو الخير». قال: أرأيتَ إن لم يفعَل؟
قال: «يُمسِكُ عن الشرِّ؛ فإنها صدقةٌ»؛ رواه البخاري ومسلم.

فما قيمَةُ مُجتمعٍ قليلِ الخير إذًا؟!
وما ظنُّكم بمُجتمعٍ شرُّه طغَى على خيرِه؟!
وأيُّ عقَبَةٍ كئُودٍ أعظمُ من ذلكم؟!
ومن هو التقيُّ النقيُّ الذي سيقتحِمُ هذه العقَبَة؟!
(( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ))[البلد: 11- 18].

باركَ الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمنَ الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِه وامتِنانه.

وبعد:

فإن كلَّ مُؤمنٍ غَيُورٍ على أمَّته لتستوقِفُه ظاهرةُ العمل التطوُّعيّ في هذه الآوِنة؛ حيث باتَت من أبرَز الظواهِر الإنسانيَّة العالميَّة، فقد بلغَت في ديار غير المسلمين مبلغًا عظيمًا، مُحاطًا بالدقَّة والإتقان، والتفانِي، ورُوح الرجُل الواحد. في حين أنه ليستوقِفُ المُسلِمَ المُراقِبَ ما يُقارِنُه بين العمل التطوُّعيِّ في الغرب وما وصلَ إليه، وبين العمل التطوُّعيِّ في بلاد الإسلام، وما يُعانِيه من نقصٍ في المفهوم الحقيقيِّ له، والإعداد المُتقَن، ونسبة التأخُّر والتراجُع عما هو عليه المفهومُ عند الآخرين.

فإن من المُؤسِف جدًّا أن تكون جُملةٌ من النماذِج للعمل التطوُّعيِّ في المُجتمعات المُسلِمة تُقدَّمُ لهم على صورةِ عملٍ إجباريٍّ، أو واجبٍ لا يُمكنُ التراجُع عنه قبل أن يسبِقَ ذلكم تهيِئَةٌ نفسيَّةٌ، ودينيَّةٌ، واجتِماعيَّةٌ لفهم هذا العمل الجليل.

إذا يُمكن أن يُدرِك طلاَّبُ المدارِس أو الجامِعات معنى العملِ التطوُّعيِّ مثلاً حينما يُزجُّ بهم في وادٍ أو حيٍّ أو طريقٍ ليقوموا بتنظيفِه، كعملٍ تطوُّعيٍّ بقالَبٍ إجباريٍّ؛ لأنه أمرٌ من المدرَسة أو الجامِعة أو المعهَد أو ما شابَه، دون أن يسبِقَ ذلكم المُقدِّماتُ الأساس لإذكاء قيمة هذا العمل الشريف، وأن يسبِقَ ذلكم عنصرُ التخلِية والتصفِية لشَوائِبِ المِنَن التي اعتادَ عليه المُجتمعُ في حياته مُقابِلَ كلِّ عملٍ يكون.

وهذا ما يتعارَضُ مع العمل التطوُّعيِّ من بدايتِه؛ لأن العملَ التطوُّعيَّ يتطلَّبُ قُدرةً فائِقةً على العطاء دون مِنَّةٍ، أو ترقُّب أُجرةٍ؛ بل إن مبعثَه الحبُّ والعطف، والإحسان الذي لا يكترِثُ بماهيَّة الردِّ، وإنما يحرِصُ على رِضا الضمير وخُلُوِّه من التقصير، والخُذلان تجاه مُجتمعه.

راحتُه وسعادتُه تكمُنُ في رسمِ ابتِسامةٍ على مُحيَّا مسكينٍ، أو سماع تمتَمَاتٍ بالدعاء على لسانِ ملهوفٍ مكرُوبٍ.

ولا يُمكنُ لنا أن نتصوَّر حبًّا بلا عطاءٍ، ولا أن نتصوَّرَ عطاءً بلا حبٍّ، كما أنه لا يكونُ مُكتمِلاً ناجِحًا دون أن يكون عملاً مدرُوسًا ومُنظَّمًا، يعمُّ في الفهم والإدراك للدوافِع والمهارات، والمُقوِّمات الشخصية، والمبادئ المُعرِّفة بالعمل التطوُّعيّ ونُبْلِه وأثره على المُجتمع المُكوَّن مني ومنك، وقرابَتي وقرابَتك، وجيراني وجيرانك.

والمُجتمعُ الناجِحُ الكريمُ البارُّ هو من لا ينتظرُ أحدًا يقول له: أعطِني؛ لأن يدَه تسبِقُ سمعَه، وفعلَه يُغنِي عن قولِه.

وما أحوجَنا جميعًا في هذا الزمن الذي كثُرَت فيه الحروبُ والكُرُوب والمُدلهِمَّات، وطالَت نيرانُها إخوةً لنا في الدين، سُقوفُهم قد وكَفَت، وجُدرانُهم قد نزَّت، لا تكادُ تمنعُ عنهم بردًا ولا بلَلاً. في سوريا، وفي بورما، وفي غيرهما من بلاد المسلمين ما يستدعِي شحذَ الهِمَم، وإذكاءَ العمل التطوُّعيِّ بكل وجوهِه وصُوره، وعلى رأسِها شُريان الحياة الذي هو المال.

فاللهَ اللهَ في إخواننا وبني مِلَّتِنا، ولنُشمِّر عن سواعِد الجدِّ والبَذل والتضحِيات؛ فإن النِّعَم لا تدُوم، وإن مع اليوم غدًا، وإن بعد الحياة موتًا، وبعد الموت حِسابًا، (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )) [الأنفال: 28].

هذا وصلُّوا – رحمكم الله – على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، صاحبِ الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم – أيها المؤمنون -، فقال – جل وعلا -: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )) [الأحزاب: 56]
وقال – صلوات الله وسلامه عليه -: «من صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».

اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّك وعبدك ورسولك محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسنةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.

اللهم اهدِنا فيمن هدَيت، وعافِنا فيمن عافَيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وبارِك لنا فيما أعطَيت، وقِنا شرَّ ما قضَيت، فإنك تقضِي ولا يُقضَى عليك.

اللهم آتِ نفوسَنا تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المَدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بِطانتَه يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان، اللهم كُن لإخواننا المُستضعَفين المُضطهَدين في دينِهم في سائر الأوطان، اللهم كُن لهم ولا تكُن عليهم، اللهم انصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم انصُرهم في بُورما، وفي سوريا، يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اجعل شأنَ عدوِّهم في سِفال، وأمرَه في وبال، وعجِّل لهم بالنصرِ والفرَج يا ذا الجلال والإكرام، يا رب العالمين.

اللهم مُنزِل الكتاب، ومُجرِي السحاب، وهازِمَ الأحزاب، اهزِم عدوَّهم عاجلاً غير آجِل يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم لا تحرِمنا خيرَ ما عندَك بشرِّ ما عندنا يا ذا الجلال والإكرام.

(( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) [البقرة: 201].

سبحان ربِّنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الله على الطرح الرائع
اثابك الله الاجر والثواب
زادك اللـــه علمــا ونــــورا

وضــاعف لــك الأجـــور
وملــئ قلبـك فرحــا وسـرورا
دار

أختي الغالية
بارك الله بكِ
اللهم اجعل نُطقها ذكرًا..
وصمتها فكرًا.. ونظرها عبرًا..
ولا تجعلها ممن أطال الأمل..
وأساء العمل.. وأكثر الجدل..
واجعلها ممن سمع الحكمة فوعى..
وسمع القرآن فدنا
واتبع الصراط فنجا..
يا سميع الدعاء.. يا مجيب الدعاء
وصلِ اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصحبه وَسلّم
دمـتِ برعـاية الله وحفـظه

دار

صور حزينة ومخاطر جسيمة – الشيخ على بن عمر بادحدح 2024.

صور حزينة ومخاطر جسيمة – الشيخ على بن عمر بادحدح
صور حزينة ومخاطر جسيمة – الشيخ على بن عمر بادحدح

دار

صور حزينة ومخاطر جسيمة – الشيخ على بن عمر بادحدح

أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، صورٌ حزينة وأحداثٌ أليمة ربما حيّرت العقول وربما بثّت في النفوس وهنًا ويأسًا مشوبًا بالحزن والألم.

وما من شكٍ أن كل ذي قلبٍ مؤمن وكل ذي نفسٍ حية وكل ذي عقلٍ بصير يؤلمه ما جرى من هذه الأحداث وما انتهت إليه من صورةٍ أدخلت إلى النفوس صورة الذل بالقهر والتسلّط وصورة الضعف بالخيانة والاستسلام وصورة الانخداع بالأوهام والشعارات.

ولكن الأمر المهم الذي كنا ولا زلنا وسنظل نُعنى به أصولنا الثابتة التي لا تتغيّر، قرآننا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هدي رسولنا المعصوم من كل خطأ، سيرة أمّتنا التي تضمنت من سنن الله – عز وجل – عزها ونصرها وقوّتها إذا ارتبطت بدينها، وذلها وضعفها وشتاتها إذا أعرضت عن نهج ربها.
السنن القرآنية الإلهية الماضية ينبغي أن لا يُفقدنا هول ما يجري ولا عظمة ما قد يُداخل النفوس من حزنٍ تلك الحقائق ولنعلم وقد أسلفت هذا الحديث من قبل لأن الأمور قد تؤدي إلى مؤداه التي انتهت إليه.

لا بد أن نعلم أن مواجهتنا مع الكفر وأهله وأن استهداف أعداء الإسلام للإسلام وأهله ليس في جولة واحدة وليس في دولة واحدة وليس في ميدانٍ واحد.

ولا يُعد ما جرى في بغداد أو قبل ذلك في أفغانستان أو قبل ذلك من أمورٍ وأحداث وما جرى ويجري ولا زال يجري في أرض فلسطين الحبيبة من تسلّط للأعداء وتمكّنٍ لهم لا يعني ذلك أن الأمر قد انتهى وأن نرى ما نرى من تلك الصور الحزينة التي داخلت كثيرًا من النفوس.

وأنا أعلم أن كلاً منّا لا شك أنه قد مرّت به الأيام الماضية وهو كسيف البال وهو عظيم الحزن وهو شديد الاستغراب وهو متحيّر اللب وهو يضرب أخماسًا بأسداس، لكننا بحمد الله ما زلنا نُصلي في المحاريب، ما زلنا نسجد بين يدي الله، ما زلنا نتلو القرآن، ما زلنا نعرف أن خير البشرية هو محمد، ما زلنا كذلك وينبغي أن نظل على ذلك، فإنه ليس نصر الأعداء -وهم يعرفون- بزوال نظام أو بانتهاء طاغية أو بالتآمر معه والاتفاق على الخيانة ولا بتسلّطهم على الثروات التي يريدونها ويريدون من خلالها التحكم في بلاد الإسلام وشعوبه، ولكن هدفهم الأعظم كما أخبر الحق -سبحانه وتعالى-: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء: 89] وكما أخبرنا الحق -جل وعلا-: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) [الممتحنة: 2]
(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) [البقرة: 120].

العَق أحذيتَهم وافِق سياستَهم أعطِهم ملّذاتهم مكِّنهم من الثرواتِ لا يعني ذلك أنهم قد بلَغوا منتهى أملهم ولا غاية مقصدهم حتى وهم الآن في عتوِّهم وبغيهم وطغيانهم حتى يدخلوا إلى أفكار العقول فيغيروها وإلى مشاعر النفوس فيبدلوها وإلى ما يُقرأ في المحاريب والمساجد لتُقرأ من بعده أو معه أو في أثنائه التوراة والإنجيل، لا أقول ذلك مبالغة، بل إنه حقٌ واقع نطقت به الألسنة وأُعدت له الخطط ونُشرت على أعين الناس.

ولعلّي قبل ذلك ونحن في هذه الأجواء أُشير إلى ومضات من هذه الصور الحزينة، ولا بد أن نخرج منها بدروسٍ ثمينة، لا بد أن تُرشد العقول وأن تنتبه وتلتفت الأنظار لجميع أمة الإسلام من أصغر صغير إلى أكبر كبير ومن الفرد العادي إلى الحاكم الذي يسوس الأمور ويُدبّر الأحوال في أمته أو دولته.

هذه الصور التي رأيناها رأينا معها عجبًا كيف وقعت هذه الواقعة، ولا شك أن بعض النفوس بعواطفها الجامحة ما زالت لا تُصدق ما جرى، وأن بعض العقول التي أصابتها لوثة العَظَمَة الفارغة دون أن تُدرك حقيقة المخالفة الصريحة للقرآن وللسنة ولمنهج الإسلام ما زالت تقول أقوالاً عجيبة وغريبة، ولا تكاد تُبصر الأمر الذي يُوشك أن يُرى بالعين المجردة، إنه الطغيان والظلم الذي مكّن له الأعداء والأولياء، وكان على رؤوس الضعفاء والبؤساء، من الذي مكّن لهذا النظام ابتداءً؟!
من الذي أعانه بالأسلحة؟!

من الذي أمّده بالقوة؟!
من الذي غض الطرف عن جرائمه؟!
ليس في يوم ولا يومين ولا عامٍ ولا عامين ولا عقد ولا عقدين، بل لأكثر من ذلك، أليسوا هم المحررون اليوم؟!
ومن يُطالع يقرأ هذا ويراه رأي العين في صورٍ واضحة تُمثّل علاقات قديمة وفي عقود مبرمة قد أظهرتها اليوم الأخبار والأحوال.

ثم أين، أين الدول العربية والإسلامية التي لا زالت وهي إلى اليوم في قولها هذا محقة؟!
إنه قد كان ظلم وبغي وعدوان وقد وقعت إزاحته لكن من الذي أزاحه؟!

وأين العرب والمسلمون؟!

ولماذا خرست ألسنتهم وعميت أبصارهم وصُمت آذانهم وشُلت أيديهم وتعطلّت مسيرتهم؟!
بل كانوا مُسهمين في مثل هذا الظلم بصورة أو بأخرى، إما مشاركة له أو سكوتًا عنه أو تغطية عليه أو أي صورة من الصور الأخرى.
أليس حزينًا ما رأيناه مما فعله بعض أهل العراق؟!

وربما يكون لهم عذرٌ في كثير مما جرى لهم وجرى منهم، لكنه مشهدٌ مؤلم أن يهتف المسلم العربي بحياة الكافر الأمريكي، وأن يتمنى عزه ورخاؤه وأن يطلب نجدته ومروءته وأن يٌقبله وأن وأن وأن إلى آخر ما رأينا من الصور.

وغير ذلك أيضًا كيف ذهبت تلك الجعجعة وتلك الأصوات التي صمّت آذان الناس حتى ظنوا أن وراء الجعجعة طحنًا؟!
فإذا بهم يسمعون جعجعة ولا يرون طحنًا، وأين اختفى القادة والزعماء والأبطال والشرفاء؟!
أتُراهم قد ماتوا مثل الضعفاء تحت الأنقاض؟!
أتُراهم قد ذهبت أموالهم وأُهدرت ثرواتهم وضاع مستقبلهم مثل الملايين المُضيَعة؟!

أحسب وليس عندي ولا عندكم علم يقين أن مثل هذا لم يحدث، وأن غيره بعد سكون دام اثنتي عشرة ساعة في ليلة واحدة ثم أصبح الصباح وكأنه يومٌ من غير أيام الدنيا، كيف تمّ ذلك ووقع؟!
إن كل ذي لب لا يكاد يفهم هذا إلا أن يدخله في دائرةٍ من دوائر الاتفاقات والخيانات من كلّ الأطراف التي لا تُريد إلا مصلحتها على حساب كل شيء بعد ذلك.

ولعلّي هنا أنقل صفحة مكتوبة منذ قرون طويلة أنقلها بنصها لعلّنا نرى بعض صور التشابه، تلك الصفحات من البداية والنهاية لابن كثير في الوقائع التي وقعت في سقوط بغداد سنة 656 هـ يقول ابن كثير: "استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يُساعدونهم على البغاددة وكل ذلك خوفًا على نفسه من التتار ومصانعة لهم قبّحهم الله، وقد سُترت بغداد ونُصبت فيها المجانيق والعرّادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله شيئًا كما ورد في الأثر: لن يُنجي حذرٌ من قدر وكما قال الله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ) [نوح: 4]
وكما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) [الرعد: 11].

قال: وكانوا مائتي ألف مقاتلٍ وصلوا بغداد في الثاني عشر من شهر الله المحرم، ووصل التتار بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأقاموا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة".

ولا أريد أن أُعلَّق على هذه الصورة والصفحة فهي غنية عن ذلك التعليق، ونود أن ننتبه وأن نلتفت إلى كثيرٍ مما ينبغي أن نتنبه له، إن هذه الصور الحزينة ينبغي أن لا تمر فقط لتكون شيئًا من ألم يُمكن أن يُخفف بعد قليل من الوقت ولا شيءٍ من حزنٍ يُمكن أن يُسرّى عنه بشيءٍ من اللهو، إنها لا بد أن تغوص وأن تتعمق في أصول الفكر والنفس على قاعدة المنهج الواضح البيّن في كتاب الله وسنة رسوله.

ألسنا نسمع اليوم بشكلٍ مفصّل وواضحٍ عن ظلم نظام بغداد وما صنعه وأن الأسباب التي أدّت إلى ذلك هي كيت وكيت وكيت؟!

ويعجب المرء، أليست هذه الأسباب موجودة هنا أو هناك بصورة قد تقل أو تكثر؟!
أفلا ينطق لسانٌ ليقول: بيدي لا بيد عمرو؟!

ليكن تغييرنا بأيدينا وليكن إصلاحنا من ذواتنا ولتكن مراجعتنا قبل أن تأتينا الدواهي مرة أخرى، ونحن نعرف ونوقن أنها حربٌ لم تنته، وأنها مرحلة في بدايتها، وأن وراءها من الأحداث والخطط والأعمال ما وراءها مما يستهدف كل واحد منّا في عقر بيته وفي فراشه الذي ينام عليه.

إنها ليست قضية هيّنة ولا حادثة عابرة ولا أسابيع ثلاثة ولا قليل من هدمٍ أو قتلٍ أو تدمير، وإن كان المرء يعجب في فرح أولئك الذين فرحوا وبجوارهم دماء إخوانهم وأقربائهم وبجوارهم وعلى مرأى أعينهم دمار بلادهم، ولكنها المشاعر المتناقضة والأحوال المُحيّرة التي أحاطت بأولئك.

ولعلّي هنا أيضًا أستحضر ما أسلفت القول فيه مرارًا وتكرارًا الذين كانوا يقرؤون أحاديث وأخبار الفتن والذين كانوا يُخدّرون الناس بذلك الذي سيبطش بجيوش الروم وسيُنهيها ويقع كذا ويحصل كذا ويرسمون صورة من خيالٍ مريض وفهمٍ سقيم ونفسٍ منهزمة ويُضيفون إليها من رؤى الأحلام وأخلاط وأضغاث الأقاويل ما يُضيفون ليكشفوا عن صورة من صور ضعفنا؛ لأننا تركنا ما بين أيدينا من كتاب ربنا وسنة نبينا وأردنا أن نبحث ونُلفّق مع بعض الروايات الصحيحة كثيرًا من الروايات الضعيفة بل والموضوعة، بل ويُضاف إلى ذلك أخبارٌ من التوراة ومن الإنجيل والعهد القديم والجديد؛ لنقول: إن هذا هو الذي سيحدث رجمًا بالغيب وتوهينًا للنفوس ولعلّها ليست المرة الأولى بل قد سبقتها مرات، فهل ستعي الأمة وتعود من بعد لترسم صورًا أخرى وتُحدد تواريخ أخرى وتُعيد مرة أخرى غياب العقل وغياب القلب وغياب المنهج وغياب العمل الصحيح نحو ما ينبغي أن نواجهه في اتجاه أعدائنا بدلاً من البحث والتشقيق حتى جاؤوا بأمورٍ ليس هذا مقام ذكرها؟!

ولعلّي أُذكّر أيضًا بالقضية الكبرى التي تُثار الآن وهي قضية الشعوب وآرائها وحرياتها وقدرتها على فعل ما ينفعها وقدرتها على المشاركة في مصيرها وكل الناس يتحدثون عن غيابٍ دام نحو ثلاثة عقود في العراق وأدّى إلى مثل هذه المأساة أو كان سببًا فيها، فأين هذا أيضًا من أمرٍ أساسي في ديننا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر الإصلاح للحاكم والمحكوم أمر: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)؟!

أمر الإسلام والإيمان الذي يوجد عزة لا تقبل ذلة وقوة لا تقبل ضعفًا وغير ذلك مما أسلفناه وذكرناه.
ولا أود أن أستطرد في هذا فإن فيه بعض الأحزان والجراح، لكنها يقظة إن لم تكن كاملة تامة فيوشك أن يقول كل أحدٍ وكل مجتمعٍ وكل بلدٍ: أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض.

وما ذلك عنّا ولا عن غيرنا ببعيد ولعلّي أُذكّر الآن بالحقائق التي قيلت قبل هذه الأحداث وبعدها وأثناءها.
ما هي الأهداف؟
هل هي هذه الأسلحة التي لم يرها أحد؟

وهل هي هذه الأنظمة التي لم يقبض عليها أحد ولم يُقدمها للمحاكمة أحد ولم يُثبت أحد قتلها وإنهاءه؟

وهل كل الذي جرى لأجل هذا؟
يقول كاتب أمريكي قبل هذه الحرب بنحو شهرين مما هو منشورٌ في صحفنا العربية يقول: "تُعلن قيادتنا أن هذه الحرب لأجل تدمير أسلحة الدمار الشامل.
ويقول: ولكننا نقول: إنه ليس كل ذلك ما نسعى إلى تحقيقه، إذ إننا نريد نفط العراق بكل ما يتأتى إلينا منه من فوائد كبيرة، كما أننا نعمل على إحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في دول عربية كثيرة.
ثم يقول ويكشف عن التهديد الأكبر ليس هذا النظام وليس جعجعته الكاذبة وليس أسلحته التي لا وجود لها إنما يقول: إن ما يُهدد المجتمعات الغربية الحرة فعلاً ليس الرئيس العراقي الذي يُمكن تجنبه وردعه فهو يُحب الحياة أكثر من كرهه لنا.
إذًا ما هو الخطر؟
يقول: إن الخطر الحقيقي الذي يُواجهنا والذي لا يُمكننا تجنبه وردعه هم أولئك الشباب العرب الذين يكرهوننا أكثر مما يُحبون الحياة ويُشكّلون فعلاً صواريخ بشرية تُعتبر جزءًا من أسلحة الدمار الشامل والقادرون على تدمير مجتمعاتنا الغربية المفتوحة.
ثم يقول: كيف يُمكن تنشئة هؤلاء الشباب؟

وما هي الآلية التي تنتهجها هذه الدول لتنشئتهم؟
ثم يُضيف: الحرب ضد العراق بمثابة رسالة قوية إلى هذه المنطقة مفادها أننا لن نترككم وحدكم بأي حالٍ من الأحوال لتلعبوا بالكبريت؛ لأنكم حين قمتم بذلك في المرة الأخيرة احترقنا".

أظننا نفقه اللغة العربية ونعرف أن هذا الكلام واضحٌ وفاضح ولا يحتاج إلى إثباتٍ وأدلة، ومن أراد فلأخبره بما نُشر بالأمس وليس قبل الحرب واستمعوا إلى هذا الخبر الذي يقول: إن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد طلبت قبل شهرين عروضًا لتجديد نظام التعليم العراقي بمبلغ وقدره خمسة وستون مليون دولار، يشمل تأهيل الأساتذة وإصدار كتب مدرسية جديدة ويضع الأساس لممارسات ومواقف ديموقراطية سواءً لدى الأطفال أو لدى الأساتذة آخذًا بعين الاعتبار التوازن الإثني وتوزيع اللوازم المدرسية ويقولون مثل ما حصل في أفغانستان حيث قُدّمت العروض وفازت شركة بها بمبلغ ستة عشر مليون ونصف، وقد قامت بإعداد ذلك وتُوزع في هذا العام عشرة ملايين كتاب مدرسي بتصميم منهجي أمريكي لنُعلَّم ذلك.

وفي هذه الفترة أيضًا نُشر ما قد سبق أن ذكرناه من قبل اللجنة اليهودية الأمريكية قامت بدراسة شاملة للمناهج في المملكة العربية السعودية، وقدمت قبل نحو أسبوعين أو ثلاثة تقريرًا مفصّلاً في مائة صفحة، مما جاء فيه: إن هذه المناهج تُدرّس أن القرآن كتاب الله وأنه هو المحفوظ وأن التوراة والإنجيل فيهما تحريف وتغيير، وتُدرّس أن القرآن يقول: إن اليهود والنصارى كفار، وتُدرّس أيضًا أن المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج من كافر أو كتابي والمسلم يجوز له أن يتزوج من كتابية، وتُدرّس كذلك أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة وأن الجهاد له غايتان إما النصر على الأعداء أو الاستشهاد في سبيل الله وتُدرّس وتُدرّس.

واقرؤوا هذا التقرير منشورًا في بعض الصحف والمجلات لنعرف أن القضية لم تعد أقوالاً، لقد دُرست وبُحثت وهي في العراق وأفغانستان قد قُدمت عروضًا، وهي في أفغانستان قد طبقت تطبيقًا هذه هي القضية الخطيرة.
ولعلنا أيضًا نقف وقفة أخرى مهمة، كنت ولا زلت أكرر القول فيها وأريد ولا زلت أريد أن نفقهها وأن تكون أساسًا ثابتًا: الصراع الأكبر مع اليهود عليهم لعائن الله والذين يحركون هذه الحرب ومن قبلها ما جرى في الحرب ومن غير ذلك من المواقف هم اليهود، وعندما نطق بذلك سياسي منتخب في المجلس الشعبي الأمريكي لمدة نحو ربع قرن سبع مرات متتالية ونطق بهذه الحقيقة:

إن الذين يأزون نحو الحرب هم اليهود في أمريكا كان مصيره أن يستقيل من منصبه وأن يقدم اعتذارًا، ثم جرد من جميع المشاركات في جميع اللجان ثم وثم..وبالأمس هذا بعض ما جاء في صحافة اليهود مرتبط بهذه الأحداث.

يقولون: إن نجاح هذه الحرب في فرض نظام جديد في العراق يتمتع بالاستقرار سيعنى توجيه ضربة قوية للقوى الرادكالاية الإسلامية بالمنطقة.

ولن ترسل هذه القوة مرة أخرى قواتها العسكرية إلى دول أخرى، ولكن في حال انتهت هذه الحملة بنجاح فإن الضغوط التي تمارسها على الدول تؤتي ثمارها وستفعل فعلها، وهي معركة حقيقية أيضًا ضد التنظيمات الإرهابية في إسرائيل، وهذا ما هو الجوهر المهم في هذا، وإن هذا الإنشاء للنظام الجديد جعلوا هذا النظام متفقا مع إسرائيل وعاقدًا للسلام معها ومتحالفًا معها ضد غيرها، ومعروف هذا الغيظ الذي سيكون بين فكي كماشة العراق والدولة اليهودية الغاصبة.

ونحن عندما نقول هذا ـ أيها الإخوة الأحبة ـ لا نقوله لنفتَّ في العضد ولا لنحدث اليأس، ولكن لنوجد اليقظة ولنشحذ الهمة ولنوقد نار الحماسة ولنأسِّس انطلاقة العزم والحزم والجزم والحيطة والحذر والمقاومة الحقيقية والوقاية الشاملة والإصلاح الجذري الذي ينبغي أن نسعى إليه في أعماق نفوسنا وفي بيوتنا وفي واقع مجتمعاتنا وفي أنظمة تعاملنا وفي سائر أحوال أمتنا ودولنا.

نسأل الله -عز وجل- أن يردنا إلى دينه رد جميلاً.
وإننا ونحن نذكر هذه الأحداث ينبغي لنا أن نعي الدروس والعبر فالحرب على الإسلام لم تكن بنت اليوم أو بنت الأسابيع الثلاثة الماضية ولا بنت ما بعد أحداث سبتمبر الشهيرة كما يقولون، إنها حرب كانت منذ أزل طويل، وهي اليوم في أشد أوقاتها، ولكن ما بعد هذه الحرب العسكرية هو الأخطر والأشد.

ولذلك لا ينبغي أن نقول: وضعت الحرب أوزارها لا عسكريّا ولا غير عسكري، بل ينبغي أن نشحذ هممنا وعزائمنا وأن نعرف خللنا وقصورنا، وكنت قد تحدثت من قبل ووعدت أن يكون حديثًا اليوم عن الخطوات العملية التي ينبغي أن نأخذ بها بعد أن أسسنا القول في الخطوات الفكرية والخطوات النفسية غير أن تجدد الأحداث أوجب أن يكون لنا حديث لعله يجمع بين ما نشعر به من حزن وما ينبغي أن نشحذ به النفس من عزم.
وكذلك قلت مرارًا: ليس مقامنا في مثل هذه المنابر أن نصرخ ولا أن نعيد ما يكرره الإعلام مما يلعب بالعواطف أو يبلبل العقول أو يسير بالناس وفق ما تقتضيه الصنعة الإعلامية والسبق الصحفي، وليس من مهمتنا كذلك أن نؤثر تأثيرًا عاطفيًا مؤقتًا فتذرف دموعنا، وليذرف كل واحد منا دمعه بينه وبين نفسه وليذرف على حاله وعلى حال أمة الإسلام، وما أشك أن كثيرا من الدموع قد جرت وهي ترى ذلك في صور ما عرضته الشاشات من هذه الأحداث، لكن هل البكاء هو حلنا؟!

وهل مثل هذا المقام نأتي فيه لنبكي؟!

فليبك كل منا حقيقة لا صورة، وإنما يكون مقامنا هذا مقاما طويل الأمد.

وقد ذكرت من قبل أن مواجهة الأعداء ليست في ميدان واحد، وذكرت أن كلا منا على ثغرة، أنت على ثغرة في تربية أبنائك، وأستحضر هنا سبعين عامًا من الشيوعية المهلكة الكافرة الملحدة كيف انقشعت ووجدنا بعض المسلمين كانوا يعلّمون أولادهم القرآن تحت الأرض في منتصف الليل على أضواء الشموع.

فهل نستطيع أن نواجه لنكون متشبثين حتى آخر رمق من حياتنا لا بتراب ولا ببناء ولا بحضارة وحتى وإن زعموها حضارة مغرقة في التاريخ، وإنما لنحافظ على دين الله والإسلام العظيم وعلى هدي رسول الله على تاريخ أمة أرادها الله -عز وجل- لتكون خير أمة أخرجت للناس.

أن نعرف بأننا مستهدفون لأننا أمة محمد، لأن بين أيدينا كتابا محفوظا وعندهم كتب محرفة يعرفون تحريفها، وعندنا نبي معصوم وعندهم أنبياء أدخلوا على سيرهم وألحقوا بهم بل وفعلوا بهم ما لا يليق أن يفعل بسقط الناس وأراذلهم، ولدينا شريعة صالحة لكل زمان ومكان وعندهم قوانين وضعية تلعب بها الأهواء وتغيرها الآراء، وعندنا تماسك أسَري وترابط أخلاقي وعندهم مجتمع قد تصدع بنيانه، وقد ولج في كثير من الآثار السلبية، لكن ذلك لم يكفهم لكنهم رأوا أن بقية باقية وسنة ماضية: لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

رأوا كيف كان الأبناء وكيف كان الشرفاء والأبطال والمجاهدون في فلسطين بعد أكثر من خمسين عامًا من التهويد ومن البطش ومن التهديد والتعذيب والتشريد رأوهم وهم يعودون خارجين من المساجد بأيد متوضئة وبألسنة مكبرة وبجباه ساجدة وبنفوس عزيزة.

يقف أحدهم أمام دبابة لا يأبه بها ولا يكترث لها، ورأوا من بعد ذلك مثلكم وكثيرين غيركم وهم يفيئون إلى رحاب الله وهم يستمعون إلى كلام الله وهم يستحضرون تأريخ أمتهم وهم يعودون إلى مصادر قوتهم وعزتهم، وهم في أفول نجمهم، أعدادهم تتناقص، مواليدهم أقل من موتاهم، وقد ألف أحدهم كتابًا حديثًا منذ نحو عام سماه موت الغرب، وأشار فيه إلى أن سبع عشرة دولة غربية أعداد الجنائز فيها أكثر من أعداد اليهود.

ثم ذكر بعد ذلك صورا من الموت في الأخلاق والأنظمة والعرقية والعنصرية، كيف يرضون ذلك وبأيديهم قوة عسكرية واقتصادية وسياسية، وذك مؤشر ببداية مواجهة عظيمة ينبغي أن يوطن الناس أنفسهم لها، وأعظم توطين أن نربط القلوب بخالقها وأن نعلق النفوس ببارئها وأن نرشد العقول بمنهج الله.

وكذلك وهو أمر لا بد منه أن يعظم تآزرنا وأن تقوى روابطنا وأن تترسخ أخوتنا عل مستوى الأفراد والمجتمعات وعلى مستوى الدول فإنّ الدول العربية والإسلامية التي ما زالت نائمة غير مدركة في حقيقة الأمر وفي حقيقة الفعل لهذه الوقائع معنية اليوم بأن تمد أيديها إلى بعضها وأن تتناسى خلافاتها وأن تلتقي على أساس الوحدة الإسلامية والمنهج الرباني، فإن هي فعلت ربما أنقذت أنفسها وأممها وشعوبها من هذه الأخطار المحدقة، وإن هي غفلت عن ذلك فيوشك أن يكون ما لا تحمد عقباه.

دار

دار

نشكر لكِ أختي الغاليه
هذا الطرح الرائع والمميز
جعله الله في ميزان حسناتكِ
وتقبله منكِ

دار

جزاكِ الله خيرا وبارك الله فيكِ

سلمت يمناكِ على النقل الهادف

جعله الله في موازين حسناتكِ

لاحرمتِ المثوبة

جزاكِ الله خيرا وبارك الله فيكِ
يسلموووو

أختي الكريمة
بارك الله فيكِ
أثابكِ الله وجعل جل أعمالكِ في موازين
حسناتكِ
جعل الله في قلبك نورًا
ووجوهكِ نورًا وألبسكِ ثياب الصالحين
ونحنمعكِ أجمعين وجمعنا حول حوض رسوله الكريم
لنرتوي الماء العذب الزلال من يدي خيرالمرسلين
عليه أفضل الصلاة والسلام
وصلِ اللهُ على سيِّدِنا مُحمَّد وَعلى آلِهِ وصَحْبه وَسلّم
دمـتِ برعـاية الله وحفـظه

فضل الصوم في محرم 2024.

دار

الحمد لله معز من أطاعه ومذل من عصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فلا معبود بحق سواه،
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبدالله ورسوله ومصطفاه، أفضل نبي وأكمل مرسل بعثه الله، فلا
نبي بعده، ولا يقبل من أحد غير دينه وهداه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:


فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى بطاعته واجتناب معصيته، والشكر لنعمته، والإكثار من دعائه، وذكره،
والتوبة إليه من التقصير في حقه فإن التقوى خير ما به تزودتم، وخير ما لبستم، وخير ما سعدتم به في الدنيا،
وأفلحتم به في الأخرى، واتقيتم به الشر والشقوة في العاجلة والآجلة، قال تعالى ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 282]
وقال سبحانه
﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[الأنفال: 29] وقال سبحانه
﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرً ﴾
[الطلاق: 2، 3] وقال جل ذكره ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾
[الطلاق: 5] وقال عز من قائل ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4].

عباد الله:
إن التقوى خير وسيلة للنصر على الأعداء، ومجلبة للبركات من الأرض والسماء،
ووقاية للمتقي من النار، وتورثه جنات تجري تحتها الأنهار، فاتقوا الله ما استطعتم حق تقاته تتقوا الشقوة والعذاب
وتفوزوا بمغفرته ومرضاته، وعد الله لا يخلف الميعاد ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أيها المسلمون:
لقد كان من منهاج نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم – وقد كان أعرفكم بالله تعالى وأخشاكم له واتقاكم له –
أن يزين عمله يوم عرضه على الله تعالى – بالصوم، فكان صلى الله عليه وسلم يصوم يومي الاثنين والخميس ويقول:
«إنهما يومان تعرض فيها أعمال العباد على الله عز وجل، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم»،
وقال صلى الله عليه وسلم «تعرض أعمال العباد على الله يوم الخميس ليلة الجمعة
فيغفر لكل مسلم ومسلمة لا يشركان بالله شيئاً إلا اثنين بينهما شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحǻ
فزينوا أعمالكم لعرضها على الله تعالى بالصوم وفق السنة وترك الشحناء
والغل واسعوا في الإصلاح والتصالح تنالوا المغفرة والرضى من رب الأرض والسماء.

معشر المسلمين:
وإذا كان الصوم مما يزين به العمل الصالح، وترك الغل والتشاحن من أسباب المغفرة وجليل العمل الصالح،
فكيف إذا كان ذلك في شهر الله المحرم الذي الصوم فيه أفضل – وفي رواية أحب الصيام –
بعد رمضان شهر الله المحرم وقال الله تعالى فيه – وفي بقية الأشهر الحرم –
﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾
[التوبة: 36] فاتقوا الله في شهركم وأحسنوا فيه صومكم وتسامحوا وتصالحوا
وأصلحوا فيه ذات بينكم تفوزوا بالمعية، والقبول وكريم المثوبة، وعظيم الرضوان من ربكم. الغفور ذي الرحمة.

أيها المؤمنون:
ثواب الصيام عظيم لأنه عمل اختصه الله تعالى لنفسه فجعل ثوابه عليه لحبه له كما في الحديث القدسي
الصحيح عن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال يقول الله عز وجل
«كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي»
فإذا كان شأن الصوم عند الله تعالى وثوابه على الله الغني الكريم
وإذا كان ثواب الأعمال الصالحة سواء الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فإن ثواب الصوم
لا يحد بحد بل على معيار قوله تعالى ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]
فكيف إذا وقع في أفضل زمان بعد رمضان مع الإخلاص والإحسان
﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 112]
فاستقيموا لله تعالى على الإسلام وعظموا الشهر الحرام وأحسنوا صيام ما تيسر لكم من الأيام غير أنكم لا تصوموه كله،
ولا تصوموا أكثره فإن نبيكم صلى الله عليه وسلم ما صام قط شهراً كاملاً إلا رمضان، وكان أكثر ما يصوم من شعبان.

أمة الإسلام:
إذا صمتم ثلاثة أيام من الشهر فذلك يعدل صوم الشهر لأن الحسنة بعشر أمثالها.
فثلاثة أيام بثلاثين يوما. وقد كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يصوم العاشر من محرم «عاشوراء»
ويخبر أن صومه يكفر السنة الماضية، وقال صلى الله عليه وسلم «لأن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع «يعني مع العاشر»
وقال صلى الله عليه وسلم» «صوموا يوم قبله أو يوم بعده خالفوا اليهود» وفي رواية ضعيفة
«صوموا يوما قبله ويوما بعده» وهذا يا عباد الله أكمل شيء في صيام عاشوراء «عند أهل العلم»
أن يصام معه يوما قبله ويوما بعده فكيف إذا انضم إلى ذلك صيام الاثنين والخميس من
كل أسبوع وثلاثة الأيام البيض من الشهر اجتمع للمسلم صيام نصف الشهر فاتقوا الله
عباد الله ولا تفرطوا في سننٍ يسيرة أجورها كبيرة وفضائلها شهيرة ألا وإن الصوم في الشتاء
هو الغنيمة الباردة فاللهم لك الحمد على يسر العمل وعظم الفائدة ألا فاتقوا الله عباد الله
واستبقوا الخيرات واستكثروا من الحسنات وتوبوا إلى ربكم من السيئات تذهبوا
بالأجور والدرجات العلى والنعيم المقيم فضلاً من ربكم ذلكم هو الفضل العظيم.

الشيخ عبدالله بن صالح القصير



جزاك الله خير
نقل هادف بوقته ونحن مقبلين على صيام عاشوراء
كما ان شهر المحرم من الاشهر الحرم والتي الاعمال بها مضاعفه
بارك الله بك
ولا حرمك الله الاجر

دار


دار

أختي الغالية
لله درك وبشرك الله فى الجنة
جزاك الله كل خير على فائدة عظيمة عن فضل الصوم في محرم جعلها الله في موازين حسناتك
لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,

دار

من خطب للشيخ بن عثيمين 2024.


دار

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مُضلّ له، ومَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
فيا عباد الله، اتَّقوا الله تعالى واعتبروا في هذه الأيام والليالي؛ فإنها مراحل تقطعونها إلى الدار الآخرة حتى تنتهوا إلى آخر سفركم، وإن كل يوم يَمُرُّ بكم بل كل لحظة تَمُرُّ بكم فإنها تبعدكم من الدنيا وتقرّبكم من الآخرة .
إن الماضي لبعيد، وإن المستقبل لقريب، وإن هذه الأيام والليالي لخزائن لأعمالكم محفوظة لكم شاهدة بِما فيها من خير أو شرّ، فطوبى لعبد اغتنم فرصها بِما يقرّب إلى مولاه، وطوبى لعبد شغلها بالطاعات واجتناب المعاصي، وطوبى لعبد اتّعظ بِما فيها من تقلّبات الأمور والأحوال فاستدل بذلك على ما لله – عزَّ وجل – من الحكَم البالغة والأسرار، ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأَبْصَارِ﴾ [النور: 44] .
عباد الله، ألَم تروا إلى هذه الشمس تطلع كل يوم من مشرقها وتغرب في مغربها فإن في ذلك أعظم اعتبار؛ إن طلوعها ثم غروبها إيذان بأن هذه الدنيا ليست دار قرار وإنما هي طلوع ثم غيوب وإدبار .
ألَم تروا إلى القمر يطلع هلالاً صغيرًا في أول الشهر كما يولد الأطفال وهكذا الإنسان وحياته تمامًا، فاعتبروا يا أولي الأبصار؛ فإن الإنسان يُخلق من ضعف ثم إلى قوّة ثم إلى ضعف كما قال الله عزَّ وجل:﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: 54] .
إن هذا الهلال يبدو صغيرًا كما يولد الطفل ثم ينمو رويدًا رويدًا كما تنمو الأجسام حتى إذا تكامل في النمو أخذ في النقص والاضمحلال وهكذا حال الإنسان وحياته، فاعتبروا يا أولي الأبصار .
ألَم تروا إلى هذه السنين تتجدّد عامًا بعد عام، يجيء أول العام فينتظر الإنسان آخره نظر البعيد ثم تَمُرُّ الأيام سريعة كلمح البصر فإذا هو في آخر العام وهكذا عمر الإنسان يتطلّع إلى آخره تطلّع البعيد ويُطيل ويبعد الموت فإذا به قد باغته الأجل، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19] .
ربما يؤمّل الإنسان طول العمر ويتسلى بالأماني فإذا بحبل الأمل قد انصرم وإذا ببناء الأماني قد انهدم وإذا هو بالموت قد بغَتَهُ، فاعتبروا – أيها الإخوة – واستعدّوا لِمَا أمامكم.
أيها المسلمون، إنكم في هذه الأيام تودِّعون عامًا ماضيًا شهيدًا وتستقبلون عامًا مُشرقًا جديدًا، فيا ليت شعري ماذا أودعنا في العام الماضي وماذا نستقبل به العام الجديد ! فلْيحاسب العاقل نفسه ولْينظر في أمره؛ فإن كان فرَّط في شيء من الواجبات فلْيتب إلى الله ولْيستدرك ما فات، وإن كان ظالِمًا لنفسه بفعل المحرّمات فلْيقلع عنها قبل حلول الأجل والفوات، وإن كان مِمَّن مَنَّ الله عليه بالاستقامة فأدى ما وجب واجتنب ما حُرِّم فلْيحمد الله على ذلك وليسأله الثبات عليه إلى الممات؛ فإن الإنسان مادامت نفسه في جسده فإنه عرْضة للزيغ والضلال، ويروى أن الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – حضرته الوفاة فسُمع يقول: بعد بعد، فلمّا أفاق قيل له: يا أبا عبد الله، ما بعد بعد ؟ قال: رأيت الشيطان تمثَّل لي يعضّ على أنامله يقول: فتَّني يا أحمد، فأقول: بعد بعد؛ أي: مادامت الروح في الجسد فإن الإنسان لا تؤمَن عليه الفتنة .
نسأل الله تعالى وإياكم أن يقينا فتنة المحيا والممات .
إخواني، ليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلّي، ليس بالتمنّي بالقلب ولا بالتحلّي بالجسد، كم من إنسان تحلّى بجسده تحلّيَ المؤمن ولكنّه أبعدُ من الإيمان بُعد المشرق عن المغرب كما قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾[المنافقون: 4]، فليس الإيمان بالتمنّي بالقلب ولا بالتحلّي بالمظاهر وإنما الإيمان: ما حَلَّ في القلب وصدّقته الأعمال، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه وإذا فسدت فسَدَ الجسد كله ألا وهي القلب».
أيها المسلمون، حقِّقوا إيمانكم بأعمالكم وأخْلصوا التوبة لله مادمتم في زمن الإمكان.
وعَظَ النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – رجلاً فقال:«اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغِناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك»، ففي الشباب عزيمة وقوّة، فإذا هرم الإنسان فترت العزيمة وضعفت القوّة ولم يستطع التخلّص مِمَّا شبَّ عليه، وفي الصحة انشراح ونشاط، فإذا مرض الإنسان ضاقت نفسه وانحط نشاطه وثقلت عليه الأعمال، وفي الغِنى راحة وفراغ، فإذا افتقر الإنسان قَلِقَ فكره وانشغل بطلب العيش لنفسه وحياته، وفي الحياة ميدان فسيح للأعمال، فإذا مات الإنسان انقطعت عنه أوقات العمل وفات زمن الإمكان كما قال نبيّنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم:«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية أو علْم يُنتفع به أو ولد صالح يدعو له» .
فاعتبروا – أيها المسلمون – بهذه المواعظ وقيسوا ما بقي من أعماركم بِما مضى منها؛ فإن ما بقي منها سوف يمضي سريعًا كما مضى ما سبق، واعلموا أن كل آتٍ قريب وكل شيءٍ من الدنيا زائل، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾[النازعات: 46] .
أيها الإخوة الأحياء، تذكّروا إخوانًا لكم كانوا معكم في مثل هذه الأيام من سالف الأعوام ثم انتقلوا من القصور إلى القبور ومن الأهل والأموال إلى الجزاء على الأعمال فأصبحوا مُرتَهنين بأعمالهم في قبورهم يتمنّون زيادة حسنة واحدة في أعمالهم فلا يستطيعون، ويتمنّون أن يتوبوا من سيئات أعمالهم وهم عن التوبة بعد الموت محجوبون .
رُئي بعض الأموات في المنام فقال: قدمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وأنتم تعملون ولا تعلمون؛ أي: لا تعلمون ما حلَّ بنا، واللهِ لَتَسبيحةٌ أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في صحيفة أحدنا أحبّ إليه من الدنيا وما فيها .
عباد الله، بادروا بالتوبة واعرفوا قدر ما أنتم فيه اليوم وما ستقْدمون عليه غدًا، لقد قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَمَوضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها»، موضع السوط: نحو ذراع أو ذراع ونصف خير من الدنيا وما فيها، وليست الدنيا دنيا عصرك فحَسْب ولا دنياك وحدك بل الدنيا كلّها من أولها إلى آخرها ما كان لك وما كان لغيرك، ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾[الإسراء: 21]، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[الأعلى: 16-17]،﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾[الشعراء: 205-207].
عباد الله، اقرؤوا ما ذكر الله عن ابتداءِ الخلق وانتهائه في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾[يونس: 4-6]، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]، واعملوا ليوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار .
اللهم ارزقنا اليقظة بعد الغفلة، ووفِّقنا للتوبة النصوح والعمل الصالح قبل النقلة، وارزقنا اغتنام الأوقات وقت المهلة، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين .
وصلِّ اللهم وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مما قرأت من خطب الشيخ بن عثيمين المصدر موقع الشيخ

بارك الله في الشيخ وخطبته
جزى الله عنا الشيخ خير الجزاء
أختي بارك الله أختياركِ
وبارك الله في سعيكِ
لا حرمتِ الأجر والثواب
تقبلي ودي وحبي

دار

تسلمى حبيبتى

دار

جزاكِ الله خيرا على المحاضرة القيمة
سلمت يمنياكِ
ولاحرمك الله الاجر والثواب

جَزآكـ الله جَنةٌ عَرضُهآ آلسَموآتَ وَ الآرضْ
بآرَكـَ الله فيكـ وَجَعَلهُ في مَوآزينَ حَسنآتكـ
آسْآل الله آنْ يعَطرْ آيآمكـ بآلريآحينْ
دمْت بـِ طآعَة الله ..}

أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل 2024.

أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل
أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل
أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل

دار

أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل

للشيخ السديس


الحمد لِلّه المُتَّصِفِ بَأَعْظم النُّعُوتِ عُلُوًّا وجلَالاَ، وقُدْرَةً وكمَالاَ، وحكمةً وجَمَالاَ أحمده – سبحانه – له الشكر المَزيد والحمد المديد، على نِعَمٍ لم تَزَلْ تتوالى- عزّ ربًا وجلَّ إلهًا بَلَّغَ المتفائلين أمَانٍ وآمَالاَ، وحَطَّ عَنهم آصارًا وأوجالاً، وأشهد أَنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادَة هي لِدَياجير اليَأس نورًا يتلالا ولِكَتَائِبِ الإحْبَاطِ مُرْهَفَاتٍ صِقَالاَ.
وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدا عبد الله ورسوله أسوة الَبريّة رَجَاءً وفَالاَ، اللّهم ربَّاه ربَّاه، صَلِّ وسلم عَليه بُكرًا وآصَالاَ، صلاة لا حَدَّ لِمُنتهاها ولا آجالاَ، وعلى آله وصَحْبِه المُسْتبقين مكارِم وأفضالاً، الحائزين من الأمجاد ما عَزَّ مقامًا ومَنالاَ، والتابعين ومَنْ تبِعَهم بإحسَانٍ يرجو من جنان المولى أنهَارًا وظلالاَ.

أمَّا بعد:
فيا عباد الله، أوصيكم ونفسِي بتقوى الله – عز وجل -، فاتقوه -رحمكم الله- واستَدْرِكوا -وأنتم في مستهل العام- ما فَاتَ مِن التفريط والزّلل، وارفُوا بالطاعات والقرباتِ كُلَّ خَلَل، قبل فَواتِ الأمَلْ وانقِضاءِ الأجلْ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).

أيها المسلمون: تَتَعاقب الأيَّام واللَّيَالي وتَنْمَحِي، وتَكِرُّ الأحقاب وتَنْتَهِي، وتَتَصَرَّم الأعوام وتنقضِي، وقد تجرَّع فيها أقوام أتراحًا، ونهل آخرون أفراحًا، وتلك مشيئة الباري في ملكوته وخلقِه أمضاها؛ لحكمة بالغة قضاها.

وفي مَطلعِ عامِنا الوليد الأغرِّ، جعله الله بَارقة نَصْرٍ وعزٍّ وتمكين لا تزال أمّتنا الإسلامِيّة رهِينَة المآسِي والنَّكبات، والشّتات والجراحات، بِمَا يَدُكّ الأطواد، ويَرُضُّ لفائف الأكباد، ويحمل هذا الواقِع الـمُرّ فئَامًا من المسلمين على الإدْلاج في سَرَاديب الإحباط، ونَصْبِ أشرِعتهم لِرياح اليأس والقنوط، تتقاذَفُهُمْ صَوْبَ العَنَاءِ وشَطْر الفَناء.

معاشر المسلمين: وعَلى إثر تلك الفُهُوم، المُلَبَّدَةِ بالغيوم، والتي سيطرت على كثير من المسلمين، وأطروحات المحللين والمفكرين، تعظم الحاجة، لتصحيح قناعات في الأمة وتقويم ثَقَافَةٍ مُلِمَّة وتجلية، قَضِيّة أكيدَةٍ مُهِمَّة: ألا وَهْي قضِيّة الأمل والتفاؤل، وإقصَاء القُنوط ونَبْذُ التّضاؤل.

إخوة الإيمان: ومِن اسْتَنْبَأ حقائق النَّفس، واستنطق خَلَجات الإنسان، أدْرك دونما عَنَاءٍ أنَّ القُنُوط سُدْفَةٌ مِنْ حُلَكِ الظَّلام، تُعَفِّي دون المسلم نُور الكُوَى، وتُحطِّمُ إزاء أفُقِه الصُّوَى، وتهدِم مِنْه القُدَرَ والقُوى، وتجعله مفترسا للضياع والخمود.

إلام تظلُّ في قلق تلاحـي *** أما لليأس عندك من رواح؟!
فلا يُنجيك من شرك الليالي *** إذا نُصبت كآمالٍ فسـاح

ومردُّ ذلك ضحالة العلم، وضمور الروح، وتسطح النظرة، وعوج الفطرة، ويجمع ذلك ضعف البناء الإيماني في النفوس، نعم يا رعاكم الله! إنَّ اليَأس من الإصلاح، والارتقاء، وبلوغ السُّؤدَدِ، رَأي خَاطِل ومَسْلك دون هنِيء الحَياةِ باطل، وكَجِيد عن لآلئ التفاؤل عاطل، لِذلك زجر القرآن الكريم عن هذه الصِّفة القاتِمة المُخَلْخِلَة، وهذه القِيمةِ البئيسة المُزَلْزِلة، وحَشر الموسومين بها في زُمْرَةِ الضّالِّين، قال – سبحانه -: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)، وقال – تعالى -: (إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، وايم الله يا عباد الله!
إنَّ الشعور بالإحباط المُطْبِق تمَرُّدٌ مُبَطَّن عن مقامات الخُضوع والتسليم لِحِكمةِ اللطيف الخبير، وسوء الظنّ بالبَرِّ الرحيم، ومَا يُدْريك أيها اليَائِس القانط، لَعَلَّ المِحْنةَ في مطاوي المَرْغوبِ، والخيْرَ كُلَّ الخَيْر في فواتِ المَحْبُوبِ!!

إذا الأمس لم يعد فإن لنا غدا *** نضيء به الدنيا ونملؤها حمدَا
وتلبسنا في الليل آفاقه سـنا *** وتنشرنا في الفجر أنسامه نَدَّا

أُمَّة الإسلام: إنَّ المُحْبَطِين عقيدَةً، وروحًا، ووجْدانًا، وسلوكا، وفِكْرًا، وثقافةً، لا يرون الحَيَاة المشرقة العالمة الوثابة الحالِمة، إلا دَكْناء سَوْدَاء، مُضرِّجة بِدُموع القُنوط، مكحولة بالضّيق والأسى، والفَشلِ والشّجى، في حَنادِس الليل إذا سَجى، قد اعتامَتهم جُيوش اليَأْس عِياذًا بالله- وطوَّقتهم قوافل الإحباط، وأبْهضتهم كتائب الخور، ونَهَشَتْهم مَشاعر الانهزامِيَّة الزّريّة، أجادُوا القُنوط والتقريع، وأطفؤُوا أنوار التفاؤل والتَّشجيع، واكتفوا بالعيش على هامش الأمّة، في استثقالٍ لِأعباء التَحَدِّي والإبدَاع والتّمَيُّز، واستِئناف التّنافس الشريف، والتّفاني الأخَّاذ، والمسؤولية المُتألقة التي تنشر الخير والرحمة والهدى بين العِباد.

إذا اشتملت على اليَأسِ القلوب *** وضاق لِمَابهِ الصدرُ الرحيب
وأوطأتِ المكـاره واطـمَأنّت *** وأرسَتْ في أماكِنها الخُطوب
أتاكَ على قُنوطٍ مِنك غـوثٌ *** يَمُنُّ به اللَّطـيف المُسْتَجِيبُ

ألاَ أيّها اليَائسون المُحبطون، إرْوَادًا بِأُمَّتِكم إرْوَادَا، ألا أيّها المُتشائمون القانِطون حَنَانيكم بأنفسِكم حنانيكم، فَمَا القُلوب التي غَمَرَتْها آيات القرآن، ونفحَتْها نسَائم الإيمان، وذَلَّت لِعَظمَة الدَّيَّان، واعتقدت حِكمة المَنَّان، واهْتَدَت لِسِيرةِ سَيِّد وَلدِ عَدْنان عليه أفضل الصلاة وأزكى السّلام، ما كانت تلك القلوب لِتُثبِّطها عن المَعَالى والعِزّة، غوائل اليأس، وتباريح الكروب، أو تأخُذَها بالتَّبَرُّم والتّذَمُّر، والاستيآس والتَّنَمُّر، (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ).

أمَّةُ النَّصْر الموعود، والبُطولة والصُّمود: ولئن برّح بالغُيَرِ استمرار الصَّلَف الصّهيونيّ الحاقد بوَحْشيّته وإجرامه على إخواننا الصامدين في غزَّة، مُسْترسِلاً في رُعوناته العُدْوانِيّة البَرْبَرِيّة، وإبادَتِه الجَمَاعِيّة، مُنسَلِخًا مِن أدْنى المشاعر الإنسانية، في تحدٍّ دَمِيم لكلِّ العهود والمواثيق الدّوليَّة، وحق لنا أن نصطرخ جميعًا:

يا غزة الألمِ الذي سيظل في *** أعماقنا لهــبًا لجــذوة نــار
يا غزة الأمل الكبـير تكـشفت *** سحب فبانت سحنة الممتار

إننا بإزاء هذا الطّغيان والعُدْوان، ننادي مِن مِنبَرِ المَسْجد الحرام باسم الشعوب الإسلامية، بالوقف الفوْرِيِّ العاجل لهذا الإرهاب الصهيوني المَاكر، وإدَانة العَدُوِّ الألدّ الغاشم، عبر المجتمع الدولي وهيآته العالمية.

ولا نقول في مزيد التفاؤل بقرب نصر الله، إلا حسْبنا الله ونعم الوكيل، وهو مولانا فنعم المولى ونعم النَّصير.
كما يهاب بالدول الإسلامية أن تستنفر لرفد إخوانهم في أرض الإسراء والمعراج، بجميع صنوف العون والمواساة، والضراعة إلى الله والإلحاح في الدعاء.

الله في كلِّ خطبٍ حسبنا وكفى *** إليه نرفع شكوانا ونبتهلُ
يا مالك الملـك فادفع ما ألمَّ بنا *** فما لنا بتـولي دفعه قِبَلُ

إخوة الإيمان أمّة التّفاؤل، أهلنا وإخواننا في غزة: أبشروا بالنصر والشموخ والعزة، الله الله في الصبر والثبات، أنه مع هذا الإعصار الجعضري النزق، فإننا نؤمِّل الفرج، بعد الشدة والحرج، واليسر، بعد الضيق والعسر، ومن آلامنا نحقق آمَالنا، وإثر الهزيمة، ينبَلِج النصر والعزيمة.

يا غزّة الجرح المعطر بالتّقى *** لا تيأســي من صـحوة المليـار
لا تيـأسـي مـن أمــةٍ في روحها *** ما زال يجري منهج المختار

أحِبَّتي الأكارم: وليس أنْجع في الانتصار سَاعة اليأس والشّدائد من الادِّراع بالتّفاؤل، واستصحاب الاستبشار، وذلك هو هدي النبيِّ المُختار – صلى الله عليه وسلم -، فعن أنس – رضي الله عنه – قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((ويُعْجِبني الفأل))، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: ((الكَلِمَة الطَّيّبة)) أخرجه الشيخان
وقد ترجم ذلك – صلى الله عليه وسلم – واقِعًا محسوسًا حيث تدرع بالتفاؤل في أحلك الأزمات في بدر واحد والأحزاب، وقال – صلى الله عليه وسلم – متفائلاً مُبَشرًا، رُغم الخطب الفادِحِ والكرب القادِح: ((لَيَبْلُغَنَّ هَذا الأَمْرُ مَا بَلَغ اللّيل والنَّهَار، لا يَتْرُك الله بَيْتَ مدرٍ ولا وبَرٍ إلاّ أدْخله الله هذا الدِّين بِعِزِّ عزيزٍ أو بِذُلِّ ذليل، عزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام، وذُلاًّ يُذِلُّ الله به الكُفْر)) أخرجه الإمام أحمد في مُسْنَدِه
فالتفاؤل -أيها المسلمون وأيها المكلومون- نِبْرَاس في مجاهل الحَياة، وفجر سَاطع في دَيَاجير الكُرُبات، وهل الأنبياء الكرام عليهم الصّلاة والسّلام، وهم صَفْوَة الأنام، وما لقوا من الأوصاب أشَقُّ من الصَّاب، فبَلّغوا الرِّسَالات، ونَشَروا الهِدَايات، وحققوا التّمكين إلاّ بالتّفَاؤل والأمل والصبر واليقين، وهل بَلَغ عَبَاقرَةُ التّاريخ ونوابغُ الزّمان، وفَلَتات بَني الإنسان، ذُرَا الحضَارات والأمجاد، إلاَّ بِحُدَاءات التفاؤل الشّفيف، ونَجَاوى الأمل المُعْشَوْشِب الوريف.

لا خَيْرَ في اليَأس كُلُّ الخير في الأمل *** أصْلُ الشجاعة والإقدَام في الرجُلِ
أُعَـلِّلُ النَّفـس بالآمـال أرقُبُها *** ما أضْيَق العيش لولا فُسحة الأمل

أمّة البشائر والتفاؤل: إن الأمل الباسم والرَّجاء النَّاسم هما مِن أحَدَاقِ الرُّوح نورها، ومن أزاهير التوكّل عبيرُها ومن سَوَافي الرِّضا عن الله نَميرها، بالتفاؤل النَّضير تَتَدَفَّقُ روح المُسْلِمين بالعزيمة والتحدِّي وتتأنّق بالنُّبوغ وحُبِ الكمال، بالثّقة في موعود الله مُزْدَهِيَة، وإلى معالي الأمور توَّاقة مُنْتَهِيَة، فالرنو في ثقة للأمل، باعث العزائم ومفتق مسار الأفئدة عن الكمائم، فَلِلّه ثم لِلَّه ما أهْناها مِن حَيَاةٍ عانقت شرعة الرِّسالة، وبُرُود العِزّة والبسَالَة؛ وبهذا الشُّعُور التفاؤلي المُشبوب في حَنايا النَّفس، الوامِض على صفحات المحيا يُمْخُر المسلم عُبَابَ اليَأس، ويُمَزِّق سُجُف القنوط والإحباط بإذن الله -تعالى- فيا من أحرضته غصة الفشل، فاستعر، تفاءل تجد خيراً، ويا من مسه الضجر بالآصال والبُكر أمل هناءً؛ تُلفِ هناءً، ويا من أصابته الكروب، وأعيته الشدائد والخطوب، أبشر فإن النصر مع الصبر، وإن مع اليسر يسراً.

قَادِمٌ فَأْلِي ومن أعطافِه *** يَعْبَقُ الزَّهْـر ويَنْهلُّ الغَـمَامْ
إنه يَبْزُغُ مـِنْ أعْماقِنَا *** والجرَاحات على الأُفْقِ وِسَامْ

إخوة العقيدة: وليكن منكم بِحُسْبان، أنَّ الأمل والتفاؤل مفرَدَات أخاذة لِمَدْلولها أثر واعتبار، ولِفَحْوَاها كُنْهٌ واختبار، وإلاّ كانت ضرْبًا من الأوهام وأضغاث الأحلام، وذلك بأن لا يَشُوبها رَنَقُ الخمول والتّعَطُّل، ولا كَدَر التّواكلِ والتَّبَطّل، وإنما تتواشج فيها أعمال القلوب بأعمال الجوارح، قيل للحسن البصري: قوم يقولون نرجو الله، ويُضَيِّعون العمل! فقال: "هيهات هيهات تلك أمانِيّهم، يترَدَّدُون فيها".

مَن رَجَا شيئًا طلَبَه ومَن خاف شيئًا اجْتَنَبَه، وإنه للمنهج المؤصل الذي يحيي به الأمل الإرادة الخابية، وينهض العزيمة الغافية، وما التفاؤل الحق إلا ذلك.

متفائل يا قوم رغم قنوطكم *** إن السما تهمي فيحيا الوادي
هذا يقيني وهو لي بلُّ الصدى *** والكأس غامرة لغلة صادي

وأبلغ من ذلك وأعز، قول المولى جلَّ وعز: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، ويقول جلّ شأنه في الحث على التَّمسُّك بالبُشْرَيات: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).

ولا يُرى من فزع رهن أسى *** يقينه كالطود في القلب رسا
يبصر في غور الخطوب قبسا *** من نصرة الله إذا ما استيأسا

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ).
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة.

أقول قولي هذا وأسْتغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه كان حليمًا غفوراً.

الخطبة الثانية:
الحمد لله ولي كل آملٍ يرجو فرجا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً عاطرة أرجا، وأشهد أن نبيَّنا محمدا خير من دعا إلى التفاؤل حججًا ومنهجًا، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الجديدان أفولاً وبلجًا.
أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واحذروا وإن كثرت الأزمات، القنوط والاستيآس، فمقتضاهما الفشل والارتكاس.
أمة الإسلام: وحسبنا بمطلع العام الهجري المبارك حافزًا للمبشرات والطموحات البلجاء، وهاديًا إلى مضارب الفأل والرجاء، وذلك بما تكتنزه الهجرة النبوية الميمونة من العظات والعبر والبُشريات المؤتساة لإعداد الأجيال التي تصنع فنَّ التفاؤل والآمال العازمة، للإرادات الشامخة الجازمة، ولن يكون كفاء ذلك إلا موعود الحق – سبحانه -: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

أحبتي في الله: ومن التفاؤل في مفتتح شهور العام شهر الله المحرم، انتصار الحق على الباطل والعدل على الظلم مهما عَتَى وتجبر وبغى، حيث نصر الله نبيه موسى – عليه السلام – وقومه، على فرعون وقومه، في العاشر من هذا الشهر الحرام، فصامه – عليه السلام – شكرًا لله – عز وجل -، وصامه نبينا – صلى الله عليه وسلم -، وأمر بصيامه مبيِّنًا عظيم شأنه وفضله، فقال: ((أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)) أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة – رضي الله عنه -، فينبغي للمسلمين أن يصوموا هذا اليوم المبارك، ويومًا قبله أو بعده، اقتداءً بسنة الحبيب – صلى الله عليه وسلم -، متخذين من التفاؤل الحق في استهلال العام بصالح الأعمال، نبراسًا جليًّا، ومنهجًا عمليًّا، متفائلين أن ينصر الله الإسلام ويعزَّ المسلمين: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).

أيها الجمع المبارك: ومن التفاؤل بالتفاؤل ما دبَّجه يَرَاع الحمد والشكر، والثناء والذّكر على جبين التاريخ، من أبْهر مواقف النّبل، ومآثر المواسَاة والتّآخي، التي سَطّرَتها بلاد الحرمين الشريفين رعَاةً ورعِيّة في التخفيف من جراحات إخوانِنَا المرزوئين والمصابين، بل هو نبض جميع أبناء أمتنا بحمد الله في مشارق الأرض ومغاربها، كتبه المولى – جل وعلا – في سِجِلِّ الحَسَنات، ورِفْعَة في سَنِيِّ الدَّرجَات، وأدام استقرَار النِّعم عليهم، واسْتمْرار المِنن لَدَيهم، إنه جواد كريم.

هذا، وصلوا وسلموا على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم المولى جل وعلا فقال – تعالى -قولاً كريماً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل
أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل
أمتنا بين حُلك الإحباط والتضاؤل ومشارق الأمل والتفاؤل

موضوع رائع
يعطيك العافية
تقبلي مروري
سلمت يمينك
جزاك الله الجنه
جزاك الله خيرا وبارك الله فيك
انار الله قلبك بالايمان
سلمت يمنياك على الطرح
وفقك الله لما يحبه ويرضاه..~

اقتباس : المشاركة التي أضيفت بواسطة عطرالفل

دار

موضوع رائع
يعطيك العافية
تقبلي مروري

دار

اقتباس : المشاركة التي أضيفت بواسطة صفاء العمر

دار

سلمت يمينك
جزاك الله الجنه

دار

آيات الله في الأرض 2024.

آيات الله في الأرض

دار


﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ [سبأ : 1 – 2]، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريك له الحليم الشكور، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:
أيها المؤمنون، عباد الله، اتقوا الله – تعالى – واعلموا أن تقواه – جل وعلا – هي أساس السعادة، وسبيل الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة، ثم اعلموا – رعاكم الله – أن الله – جل وعلا – دعا عباده في آيات كثيرة في القرآن الكريم إلي التفكر في آياته والتأمل في مخلوقاته الدالة على عظمة خالقها، وكمال موجدها، وعظمة الربِّ الجليل – سبحانه وتعالى – وكم هي الآيات العظيمة والبراهين الواضحة الدالة على كمال الخالق الربِّ العظيم – سبحانه.

وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ دار
تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الْوَاحِدُ دار


عباد الله:
إن من آيات الله العظيمة، وبراهينه القويمة الدالة على كمال الرب – جل وعلا – هذه الأرض التي نمشي عليها، ونسير في فجاجها، كم فيها – عباد الله – من البراهين الدالة على كمال الخالق وعظمة الموجد – سبحانه وتعالى! يقول الله – جل وعلا -: ﴿ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الجاثية : 3]، ويقول – جل وعلا -: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾ [الذاريات : 20]، ويقول – جل وعلا -: ﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾ [الغاشية : 17 – 20].

ما أعظمها – عبادَ الله – من آية دالة على كمال الخالق – جل وعلا – هذه الأرض – عباد الله – لم يوجدها – عز وجل – لعبًا وهملاً وباطلاً – تنزه ربُّنا عن ذلك، وتقدس – جل شأنه – بل إنه – جل وعلا – وضعها للأنام، وسخَّرها لهم، وأوجد فيها من النعم ما لا يُعد ولا يحصى؛ ليطيعه الأنام عليها؛ ﴿ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ [الرحمن : 10 – 13].

عباد الله:
ومن آيات الله العظيمة في الأرض إمساك الله – جل وعلا – لها أن تزول، ولإقامته لها من أن تسقط وتقع يقول – جل وعلا -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [فاطر : 41]، ويقول – جل وعلا -: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ [الروم : 25].

تبارك الله ما أعظمها من آية إمساكه لهذه الأرض من السقوط والوقوع والـهوى، إنها لآية عظيمة دالة على كمال الخالق الجليل والربِّ العظيم، ثم إنه – جل وعلا – ثبت هذه الأرض وأرساها بالجبال؛ يقول – جل وعلا -: ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ [النحل : 15]، ويقول – جل وعلا -: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴾ [النازعات : 32].

فما أعظمها من آية هذا التثبيت للأرض من الزوال والتزلزل والهوى بهذه الجبال العظيمة الصم الصلبة، الراسخة التي جعلها الله – عز وجل – أوتادًا للأرض تثبتها، ثم إنه – جل وعلا – مدَّ هذه الأرض، وبسطها لعباده؛ ليتمكنوا من العيش فيها والسير في فجاجها؛ يقول الله – تبارك وتعالى -: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴾ [نوح : 19]، ويقول – جل وعلا -: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك : 15].

فما أعظمها – عباد الله – من آية دالة على كمال الخالق – جل وعلا -: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا ﴾ [ق : 7].
مدها – جل وعلا – وبسطها، وجعل فيها السُّبل؛ ليسير العباد في أكنافها، ويمشوا في فِجاجها طلبًا لرزق الله، وسعيًا في الحصول على نعمة الله، فما أعظمها – عباد الله – من آية دالة على كمال الخالق – جل وعلا.

عباد الله:
ومن آيات الله العظيمة في هذه الأرض أنك ترى الأرض خاشعة، وتراها هامدة لا زرع فيها و لا نبات، فينزل عليها الرحمن – جل وعلا – الماء، فتهتز وتربو، وتنبت من كل زوج بهيج، إن هذه عباد الله لآية دالة على كمال الخالق، وأنه الإله الحق، وأنه على كل شيء قدير؛ يقول – جل وعلا -: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾ [الحج : 6 – 7].

ومن عظيم آيات الله – عز وجل – في الأرض أنَّ القِطَع المتجاورات المتماثلات في الهيئة ينزل الربُّ – جلَّ وعلا – عليها الماء فتنبت أنواعًا من الزروع مختلفة في الهيئات وفي الأشكال، وفي الطعم وفي المنظر، مع أنها سُقيت بماء واحد، ونبتت على أرض واحدة ما أعظمها من آية – عباد الله – يقول الله – جلَّ وعلا -: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد : 4].

عباد الله:
وإن من عظيم آيات الله في الأرض أن جعلها قرارًا للعباد ساكنةً مطمئنة ليست رجراجة متكفئة، وإنما ثبتها وجعلها قرارًا، كما قال الله – عز وجل -: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا ﴾ [غافر : 64]؛ أي: مستقِرَّة ساكنة تمشون عليها مطمئنين، ليست مهتزّة من تحت أرجلكم، ولا متزلزلة، وليست بأرض رجراجة، فما أعظمَها عباد الله من آية.

واعتبر – عبد الله – بما يحدثه -جلَّ وعلا – في بعض الأوقات على أجزاء من الأرض؛ من زلازل تتحرك الأرض من تحت الناس، فلا يَقَر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال، ولا يهنأ لهم عيش، بل إن اهتزازها إذا اشتد وعظم، أهلك من يمشي عليها، ولعلَّنا سمعنا قريبًا ما حدث في بعض الديار، وفي ليلة واحدة هلك أكثر من ثلاثين ألفَ نفسٍ، هلكوا في ساعة واحدة، وماتوا موتة نفس واحدة، بيوتهم تهدَّمت، زروعهم هلكت الذي يمشون عليها هلكوا عن بَكْرة أبيهم إلا قليلاً منهم، هذه آية – عباد الله – تدل على عظمة الخالق – جلَّ وعلا – وأنه على كل شيء قدير، ولا يغيب عن بالنا قول الله – جلَّ وعلا -: ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾ [الإسراء : 59].

إن هذا عباد الله فيه عظةٌ للعباد وعبرةٌ؛ ليتذكروا عظمة الخالق الجليل، وكمال المبدع العظيم، وقدرته على كل شيء، أفلا تذكرنا – عباد الله – نعمة الله علينا بثبات هذه الأرض التي نمشي عليها، وقرارها وسكونها، أرض ثابتة ليست متزلزلة من تحتنا، ولا متحركة، تفكروا – عباد الله – لو أن هذه الأرضَ التي نمشي عليها لو تزلزلت وتحركت، كيف يكون الشأن في الناس؟! وكيف يكون الشأن في البيوت والزروع وفي المصالح والأعمال؟!

إن كل ذلك – عباد الله – يتعطل ولا ينتفع منه بشيء، ولا يهدأ للناس بالٌ، لنتفكر في هذه الآية العظيمة، ولنقبل على الخالق الجليل – جلَّ وعلا – ولنستفد من عتابه لعباده، كما قال بعض السلف – رحمهم الله – عندما اهتزت الأرض في زمانه، قال للناس: "إن هذا ربُّكم يستعتبُكم"؛ أي: يطلب منكم أن تعودوا إليه، وتنيبوا إليه، وتتذكروا عظمته، وأنه خلقكم لطاعته ولعبادته، جاء في بعض كتب السِّيَر أن الأرض اهتزت في المدينة في زمن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فقام وخطب الناس ووعظهم وذكَّرهم، وكان فيما قاله لهم: "إن عادت إلى هذا لا أساكنكم فيها"، فلنتبْ – عباد الله – إلى الله، ولنتذكر نعمة الله ومنَّته – جلَّ وعلا – علينا بهذه الأرض التي خلقنا وأوجدنا عليها؛ لنمشي مطمئنين ولله طائعين، ومنه تبارك وتعالى – خائفين، وعلى عبادته مقبلين، ولرحمته راجين، اللهم وفِّقنا لما تحبُّه وترضى، وأعنَّا على البرِّ والتقوى، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، اللهم اجعلنا من عبادك المتعظين المعتبرين، واجعل لنا فيمن ابتليتهم من عبادك عظة وعبرة، ولا تجعلنا لغيرنا عظة وعبرة، اللهم اهدنا سواء السبيل، وأعنَّا يا ذا الجلال والإكرام، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد الله عظيم الإحسان واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:
عباد الله اتقوا الله – تعالى – عباد الله؛ لنتفكر في شأن هذا الإنسان الذي يمشي على هذه الأرض ما شأنه بها، يقول الله – تبارك وتعالى -: ﴿ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴾ [نوح : 17 – 18].

إن هذا الإنسانَ أُنبَتَ من الأرض؛ لأن أبينا آدم خلق وذريتُه في صُلبه من تراب، فالله – جلَّ وعلا – أنبت الناس من الأرض نباتًا، ثم يعيدهم فيها، وعندما يموت كل واحد مآله إلى الدفن في الأرض، فالله – جلَّ وعلا – جعل الأرض كفاتًا للأحياء من الناس والأموات؛ ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴾ [المرسلات : 25 – 26].

فهي كفاتٌ لهم، عليها يمشون ويسكنون في حياتهم، وفي بطنها يودَعون ويدخلون بعد مماتهم، ثم يعيدكم منها ويخرجكم إخراجًا، وذلك البعث والنشور يخرج الناس من الأرض؛ للقيام بين يدي ربِّ العالمين؛ ليجزيهم ويحاسبهم على أعمالهم في هذه الأرض، هل كانوا يمشون عليها مطمئنين بعبادة الله، خاشعين ممتثلين بأوامر الله، كما قال الله عن عباد الرحمن؟
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [الفرقان : 63].

أم أنهم كانوا يمشون على الأرض بالفساد والعتُوِّ والتجبُّر والطغيان، فالحساب يوم القيامة أمام الله – جلَّ وعلا – يحاسب الناس ويجازيهم على أعمالهم على هذه الأرض؛ ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ [إبراهيم : 48].

فأعِدُّوا – عباد الله – لذلك اليوم عدة بطاعة الله، وامتثال أوامره – سبحانه و تعالى – والاستعداد بالوقوف بين يديه، فالكيِّس من دَانَ نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنَّى على الله الأماني، وصلوا وسلموا – رعاكم الله – على خير مَن مشى على الأرض محمد بن عبدالله – صلواته الله وسلامه عليه – اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين؛ أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين وأبي الحسنين علي، وارضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، اللهم أمنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البرِّ والتقوى، اللهم وألبسه ثوب الصحة العافية، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة، اللهم وفِّق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك واتباع سُنَّة نبيِّك محمد – صلى الله عليه وسلم – اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وأعنَّا على البرِّ والتقوى، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين، اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سُبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وأموالنا وأزواجنا وذرياتنا، واجعلنا مباركين أينما كنَّا.

اللهم اغفر لنا ذنبنا كله؛ دِقَّه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه، اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات؛ الأحياء منهم والأموات، اللهم اغفر ذنوب المذنبين من المسلمين، وتُبْ على التائبين، واكتب الصحة والعافية والسلامة لعموم المسلمين، اللهم فرِّج هم المهمومين من المسلمين، وفرج كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا، ومرضى المسلمين، وارحمنا موتانا وموتى المسلمين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم إنا نسألك غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبقًا نافعًا غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من اليائسين، اللهم أعثنا قلوبنا بالإيمان وديارنا بالمطر، اللهم رحمتك نرجو، فلا تكلنا إلا إليك، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

وصلى الله وبارك، وأنعم على عبده ورسوله نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر

دار

دار
جزآك الله جنه عرضهآ السموآت والآض
وبآرك الله فيك على الطرح القيم
آسآل الله آن يزين حيآتك بـ الفعل الرشيد
ويجعل الفردوس مقرك بعد عمر مديد
دمتِي بـ طآعة الله

مجتمع رجيم عالم من الصحة و الرشاقة والجمال، مجتمع يأخذك لعالم صحي لك ولكل أفراد عائلتك.
https://www.facebook.com/forum.rjeem
دار

أختي في الله

اللهم حرم وجهها عن النار بسعي إلى رضاك
واجتناب معصيتك وطهر قلبها بذكرك ويسر أمرها لنيل مغفرتك
واجمعها بمن تحب في مستقر رحمتك

وجميع المسلمين ..

اللهم آمين

جَزآك الله جَنةٌ عَرضُهآ آلسَموآتَ وَ الآرضْ

بآرَكَ الله فيكِ عَ آلمَوضوعْ

آسْآل الله آنْ يعَطرْ آيآمكِ بآلريآحينْ

دمْت بِ طآعَة الله ..}

دار

خطورة الاعتداء على الدين – الشيخ على بن عمر بادحدح 2024.

خطورة الاعتداء على الدين – الشيخ على بن عمر بادحدح
خطورة الاعتداء على الدين – الشيخ على بن عمر بادحدح


دار
خطورة الاعتداء على الدين – الشيخ على بن عمر بادحدح

وصية الله لكم جلّ وعلا لكم معاشر المؤمنين تقواه في كل آن وحين إلى قيام الساعة يوم الدين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
"أي خير وأي دين فيمن يرى محارم الله تُنتهك وحدوده تضاع ودينه يُترك وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يُرغب عنها وهو بارد القلب ساكت اللسان شيطان أخرس، وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورئاساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين؟!
وإن أعظم بلية موت القلوب فإن القلب إذا كانت حياته أتم كان غضبه لله ولرسوله أقوى وانتصاره للدين أكمل"، كلمات تصف الواقع وكأنها قيلت اليوم أو بالأمس القريب وهي من كلمات ابن القيم قبل أكثر من سبعة قرون.
وتلكم قضية أساسية إن لم يكن الدين في قلوب المؤمنين هو أعظم من كل شيء، وإن لم تكن الغيرة عليه والحمية له هي أولى من كل تأثير آخر فإن ها هنا خللاً كبيرا وإن ها هنا اضطراباً في حياة القلوب أو ضعف حياتها أو مواتها، ولقد قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إن الله يغار وإن غيرة الله أن تنتهك محارمه)

الراوي: أبو هريرة المحدث:مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 2761
خلاصة حكم المحدث: صحيح

وضرب لنا صلى الله عليه وسلم من نفسه المثل: (فما كان يغضب لنفسه فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه قائمة)، ولما جاءه حِبّه أسامة بن زيد عندما حثّه الناس وألحوا عليه أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم في شأن المخزومية التي سرقت غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأسامة: (أتشفع في حد من حدود الله؟!)، ثم تكلم في الناس وقال: (والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها)

الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث:البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 6788
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان كذلك انتصاره عليه الصلاة والسلام للمرأة التي كُشفت عورتها في سوق اليهود فأجلاهم بعد أن حاصرهم.
وشواهد ذلك في التربية النبوية للصحابة رضوان الله عليهم كثيرة فقد صحّ عند البخاري من حديث عبدالله بن المغفل المزني رضي الله عنه أنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخذف" وهو الرمي بصغار الحصى وقال: "إنها لا تهزم عدواً ولا تنكأ جرحاً ولكنها تفقأ العين وتكسر السن"، فقال رجل عنده وفي رواية فقال بعض بنيه: لا بأس بهذا أو لا يضر هذا، فقال: "أقول لك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول هذا، والله لا أكلمك أبدا".
وعند ابن ماجة بسند صحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن درهم بدرهمين" فقال رجل: لا بأس بهذا يداً بيد، فقال: "لا بأس بهذا؟!، والله لا يظلني وإياك سقف أبدا"، كل أمر يُعترض فيه على دين الله أو يخالَفُ فيه شرع الله كان الموقف فيه واضحاً؛ لأن الغيرة في القلوب كاملة ولأن الحمية في النفوس مشتعلة ولأن دين الله عز وجل كان هو الأول والأولى في مسيرة الحياة كلها يقدّم على الأموال وعلى النساء والأبناء وعلى الأهل والأقارب والعشيرة وعلى كل المصالح وعلى كل المخاوف من جميع الوجوه.
ومثل ذلك أيضاً ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه لما روى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما رجل يتبختر في برديه -أي متكبراً- فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة فقام فتى وقال: كان يمشي هكذا، أي يستهزئ بالصفة الواردة في هذا، فعثر ثم انتكس فقال أبو هريرة رضي الله عنه وهو يشير إلى فمه: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95]
وذلك أمر ظاهر فيما كان أصلاً في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صحّ عند مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلاً أن يأكل بيمينه وكان يأكل بشماله فقال: لا أستطيع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا استطعت)، فما استطاع أن يرفع يده بعد؛ لأنه قال ذلك تكبراً عن الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم والتزام الشرع والدين: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
وعلى هذا مضى أخيار الأمة من العلماء والأمراء كل من كان في هذه الأمة مقدماً إنما كان تقديمه لأنه يقدم الدين ويجعل جهده وجهاده وهمّه أن يقيم هذا الدين وأن يحفظه وأن يبلّغه وأن يذود عنه فلما قدموا الدين قدمهم الله في العالمين، والأمثلة أكثر من أن تحصى في مثل هذه المواقف عن الصحابة غنية عن ذكر غيرها كذلك من أعيان التابعين والأئمة المرضيين من علماء الأمة في قرونها وعصورها كلها، غير أني أقف وقفة مع أحد الخلفاء وهو هارون الرشيد الذي تشوّه صورته بأنه يستمع إلى القيان والغناء والمعازف والخمور وغير ذلك، وذلك محض كذب فإن سيرته جهاد وعلم، وروى أبو معاوية الضرير أحد رواة الأحاديث أنه ما سمع حديثاً -أي الرشيد- عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان يقول: "صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله" ولما روي عنده حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (وجدت أني أقاتل في سبيل الله ثم أقتل ثم أحيا فأقاتل في سبيل الله ثم أقتل ثم أحيا فأقاتل في سبيل الله ثم أقتل)

الراوي: أبو هريرة المحدث:البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 7227
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

قال أبو معاوية: "فبكى هارون الرشيد حتى انتحب" رحمه الله.
والموقف الذي يذكر هنا أنه روي عنده حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "احتج آدم موسى أو حجّ آدم موسى" أي فيما كان من الحوار بينهما المذكور في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وفي القوم رجل من قريش قال: أين لقيه؟
فغضب الرشيد من وقته وقال: "النطع والسيف.. زنديق يطعن في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" فما زالوا يهدئونه ويسكنونه ويقولون كلمة بدرت -أي لم يكن يقصد ذلك-، تلك هي الغيرة على دين الله.
ولنعلم أيها الإخوة الكرام أن مقاصد الدين الخمسة التي جاءت شريعة الإسلام بها من حفظ الدين والمال والنفس والعرض كل ذلك مقدمته وأوله حفظ الدين في خمسة أوجه لا بد من كمالها وتمامها على مستوى الفرد وعلى مستوى الأمة وعلى مستوى ولاة الأمور العلم به والعمل به والدعوة إليه والتحاكم إليه والجهاد في سبيله، تلك هي معالم حفظ الدين الذي هو أساس وأول مقاصد شريعة الإسلام، وذلك ما جاءت به آيات القرآن فيما وضّحته لنا من مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129]
تعليم ثم تربية بموجب هذا التعليم وتزكية للقلوب والنفوس بذلك العلم والوحي الرباني: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]
وذلك أمر ظاهر.
وفي الدعوة: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، فذلك هو أحسن الناس قولاً.
وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من دعا الناس إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)

الراوي: سهل بن سعد الساعدي المحدث:البخاري – المصدر: صحيح البخاري – الصفحة أو الرقم: 3701
خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

والأحاديث في فضل تعليم العلم كثيرة في هذا الشأن.
وأما التحاكم والحكم فقد جاء قوله جل وعلا: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ} [النساء: 105]
وهذا التحاكم كما قال السعدي: "يقتضي هنا التحاكم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق وكذا في العقائد وفي جميع مسائل الأحكام" فإن شريعة الله جلّ وعلا حاكمة وإن القرآن في أمة الإسلام هو المرجع في كل حكم وقضية ولا بد أن يكون ذلك كذلك، وإن انتقاص أي حكم من الأحكام ووضع غيره بدلاً عنه إنما هو معاداة ومحادة لله ولرسوله ومناقضة لعموم حكم الشريعة والقرآن في هذه الأمة: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]
ينبغي أن ندرك حقائق هذه الأمور وأن ندرك أهميتها؛ لأن هذا الدين قائم على أصول حفظه سواء كان ذلك بإقامته أو كان بحمايته فإقامته كما قلت بالعلم والعمل والدعوة والحكم والجهاد كما قال عز وجل: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ} [البقرة: 193]، فإن غاية هذا الجهاد إنما هي الحماية للدين ولحرية العقائد ولإقامة الشريعة: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج : 32].
واليوم لدينا مشكلات كبيرة من أجلّها وأعظمها تهوين وتوهين تعظيم الدين في قلوب الناس من وجوه كثيرة أولها الإعلان للمنكرات وإشهارها ومنع من يعترض عليها والحيلولة بين من يقوم بإنكارها وذلك من أخطر الأمور وأشدها ضرراً على الدين وأهله وفي الأمة كلها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن خطورة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال لنا الحق سبحانه وتعالى فيما قصّ علينا من شأن بني إسرائيل وما جرى عليهم من الأمور العظيمة والبلايا العظيمة: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المائدة : 79].
وهذا أمر في غاية الأهمية ولا بد أن نعرف أنه بقدر ما يكون من انتهاك حرمات الله والتعدي على أحكام الإسلام والإعلان عن مخالفة أي وجه من وجوه الأحكام الشرعية لأنه ليس فيها صغير ولا كبير فإن كل أمر من الله عظيم وإن كل حكم من أحكام الله جلّ وعلا جسيم وإن كل أمر عن الله وعن رسوله لا بد أن يُتلقى بالإيمان والتسليم: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} [النساء : 65].
والأمر الثاني وهو في غاية الخطورة وهو أمر التبديل والتلبيس على عباد الله والتبديل في شرع الله وذلك بإضفاء المشروعية على ما هو محرم، وبالقول إن هذا أمر لا بد منه في الواقع وإن التغير في حالنا وعصرنا يقتضي منا مرونة وكأنها على حساب ديننا وأحكام شرعنا ويقولون كذلك إن مثل هذا التمسك هو ضرب من التشدد ولون من التطرف وصورة من الانغلاق وقضية يكون فيها مظهرنا في العالم متخلفاً متأخرا! وكأننا إذا تركنا ديننا سيرضى عنا أولئك القوم!!
{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]
واليوم في ظل هذه العولمة وفي ظل تلك الهمهمة وفي ظل تلك الموجات الإعلامية المضللة يكتب أننا قد بلغنا أو بلغ بعضنا ما أشار إليه حديث حذيفة ويروى مرفوعاً ويروى موقوفاً: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُودا -وفي ضبط آخر- عَوداً عَودا، فأيما قلب أشربها نُكتت فيه نكتة سوداء فإن تاب واستغفر صُقل منها وإلا أصبح قلبه أسود مرباداً كالكوز مجخّياً -أي مقلوباً- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه)

الراوي: حذيفة بن اليمان المحدث:مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 144
خلاصة حكم المحدث: صحيح

أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
الخطبة الثانية:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإن أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه تقواه في كل آن وحين.
وإن من أعظم التقوى المحافظة على مكانة الدين في القلوب والغيرة على محارم الله في النفوس والحمية لهذا الدين في كل آن وحين في صغير الأمور وكبيرها مع انضباط بالشرع وأخذ بالحكمة، لكن أحداً لا يقول إن الحكمة هي موات القلوب ولا أحد يقول إن التزام الشرع يقتضي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن من أسوأ ما يكون في المجتمعات عندما يُقرّ الباطل ويُكرّس منهجاً أو نظاماً أو قانوناً متّبعاً، ونحن نشكو في كثير من بلاد المسلمين من قبل بأنه نُصّب في منصة التشريع أحكام وأنظمة تخالف شرع الله عز وجل بالكلية، فكذلك إذا كان الأمر في أمر يسير أو في نظام متعلق بأي وجه من الوجوه في علم أو عمل أو تعليم لا بد أن يكون المرجع في كل ذلك كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يكون ذلك يقيناً في القلوب ونحن نوقن بأن هذا الدين صالح لكل زمان ومكان، ونحن نوقن بأن هذا الدين هو دين العلم والحضارة، ونحن نوقن بأن هذا الدين هو دين الإنسانية في أرقى معانيها ومغازيها، ولكن الوهن الذي سرى إلى قلوب البعض والضعف الذي سرى إلى يقينهم والخلل الذي جاء وتسرّب إلى تصوراتهم جعلنا نستمع إلى من يقول إنه يريد أن يفصل الدين عن السياسة أو إن الفنون لا ارتباط لها بالأحكام أو أن الآداب للأدب كما هي دون أن تكون مقيدة بما يحدّ كما يقولون من الطاقات والابداع والأفكار وغير ذلك مما يقولون وكأن دين الله سبحانه وتعالى إنما جاء -والعياذ بالله- للتضييق على الناس وتنكيد معيشتهم وعدم إدخال السرور عليهم والله جل وعلا يخبرنا أن الحياة الطيبة وأن السعادة الهانئة إنما تكون في ظلال الإسلام وفي ظلال التسليم بالقرآن وفي ظلال الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وليس هناك أخطر من أن تعادي الناس في دينهم، قد يصبر الناس إذا أُخذت أموالهم، قد يحتملون إذا ضُيّق عليهم في معاشهم، قد يغضون الطرف إذا أسيئت معاملتهم؛ لكن تكرار انتهاك الدين واضطرار الناس في معاشهم إلى أن يجبروا على مخالفة دينهم فإن ذلك يستفزهم ويثير حفائظهم ويجعل الأمر غير قابل لأن يسكتوا عما كان من انتهاك لحرمة دين الله أو تعد على شرع الله عز وجل، فينبغي أن ندرك أن أهل الإسلام والإيمان إنما يحركهم في هذه الحياة دينهم سواء كان ذلك رغبة أو رهبة، رغبة في الخير فيقبلون ويعلمون وينفقون ويبذلون أو رهبة من الشر فيمتنعون ويتركون الفواحش والمنكرات وبذلك تنتظم أمور هذه الحياة، فينبغي لنا أن نحذر في ذوات أنفسنا وفي دوائرنا التي نعيش فيها داخل أسرنا وفي مجتمعنا أن لا نتجاوز شيئاً من شرع الله ونهوّن ذلك التجاوز في نفوس من حولنا فإن ذلك مؤذن بأمراض خطيرة وعلل كبيرة نسأل الله عز وجل أن يعيذنا وإياكم من كل هذه الشرور والآثام.

دار

جزاك الله خير الجزاء حبيبتي

محاضرة مهمة جدا

تسلم يمناكِ لمنقولك الهادف

اثابك الله

دار
اختي الحبيبة
مشاركة رائعة ومميزة وهادفة
جزاك الجنان وورد الريحان ثَقَل ميزانك بخيِرِ الأعمال
وأنار الله قلبك ودربك ورزقك برد عفوه وحلاوة حبه
حفظك المولى ورعاك …!!
دار
سلمتَ يداكِ واثابكِ كل خير وأحسن الله إليكِ
وتقبلي مروري وتقييمي

دار

سبحان من قهر الجبابرة بجبروته 2024.

سبحان من قهر الجبابرة بجبروته

دار


الحمد لله العظيم القهار، القوي القدير الجبار؛ فرض الفرائض، وحدَّ الحدود، وربك يخلق ما يشاء ويختار، أمر بتعظيم شعائره، وجعل ذلك من تقوى القلوب، ورتَّب على ذلك الفوز بالمحبوب والنجاة من المرهوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المطلع على الظواهر والبواطن، وهو علام الغيوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -تعالى-، فإن الاقتصار عليها سلامة, والترك لها ندامة, وأحثكم على إجلال الله وتعظيمه, وتوقير كبريائه وقدرته, والانتهاء إلى ما يقرّب من رحمته, وينجّي من سخطه, ويُنال به ما لديه من كريم الثواب, وجزيل المآب.

واجتنبوا ما خوّفكم الله من شديد العقاب, وأليم العذاب, ووعيد الحساب, يوم تقفون بين يدي الجبار, يوم لا تكلّم نفس إلا بإذنه, فمنهم شقي وسعيد, يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه, لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، يوم لا يجزي والد عن ولده, ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئًا. فلا تغرّنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنّكم بالله الغرور.

فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور، واضمحلال وزوال، وتقلّب وانتقال, أفنت من كان قبلكم, وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم. من ركن إليها صرعته, ومن وثق بها خانته, ومن أمّلها كذبته, ومن رجاها خذلته. عزها ذل, وغناها فقر, والسعيد من تركها, والشقي من آثرها, والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها.

عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، وعظموه حق تعظيمه، فإنه -سبحانه- هو القوي القهار، الكبير المتعال، هو الجبار الذي خضعت السموات والأرض لقدرته وإرادته، هو الواحد القهار الذي قهر كل مخلوقاته، الكبرياء رداؤه، والعظمة إزاره، سبحانه وتعالى خلق الشمس والقمر، وسخر الليل والنهار، وأجرى بقدرته السحاب يحمل بحار الأمطار، فسبحانه من إله عظيم، خضعت له الرقاب، ولانت لقوته الصعاب.

عباد الله: كثيرًا ما تكون بعض الألفاظ موهمة لمن لم يتبين معناها ويعرف فحواها, وكثيرًا ما يُؤتَى المرء من سوء فهمه، فقد يتخيل بعض المسلمين أن أسماءً مثل الجبار والمنتقم والقهار هي أسماء يقصم الله بها الظالمين، وينتقم بها من الجبابرة, وتدل على العقاب والانتقام فقط كما يتصف به جبابرة الخلق والعياذ بالله, وهذا التصور منشؤه عدم معرفة حقيقة أسماء الله وصفاته العليّة, والوقوف على معانيها ودلالاتها؛ ولذلك لم نوظّفه في حياتنا، أو نحيا به، وربما عشنا عمرًا طويلاً ولم نكن نشعر بمضمون أسماء الله الحسنى, والحقيقة الغائبة عن كثير من المسلمين أن اسم الله الجبار يدل على منتهى الرحمة واللطف والرأفة والرقة والعطف بالمؤمنين.

أيها المسلمون: إن الجبر الإلهي بكل معانيه صفة من صفات الكمال الإلهي المطلق, ولا يستعمل جل وعلا جبروتَه في موضع إلا تحقيقًا لخيرٍ أو دفعًا لشرٍّ, وهو -سبحانه- مستحقّ للحمد على جبروته، كما هو مستحق الحمد على رحمته ومغفرته وكرمه.

إن الجبار -سبحانه- قهر الجبابرة بجبروته، وعلاهم بعظمته ومجده، وفاقهم بكماله، لا يجري عليه حكم حاكم فيجب عليه الانقياد، ولا يتوجه عليه أمر آمر فيلزمه امتثاله، سبحانه وتعالى آمرٌ غير مأمور, قاهرٌ غير مقهور (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23].
وما سواه من المخلوقات فهو مقهور مملوك، ضعيف عاجز، فقير فانٍ، ومن هذه صفته من المخلوقات كيف يليق به التكبر والتجبر وهذه حاله؟!.

أيها المؤمنون: لقد أثنى الله -تبارك وتعالى- على ذاته العلية، فوصف نفسه بأنه الجبار، قال -تعالى-: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) [الحشر: 23].

وقد وصف نبينا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- ربه -وهو أعرف الخلق به- بأنه الجبار، فعن عبد الله بْن عُمَر -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ: "يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْكَرِيمُ، فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمِنْبَرُ حَتَّى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ بِهِ" (أحمد (5414) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 7/596).

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأ أحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلاً لأهْلِ الْجَنَّةِ" (البخاري (6039, ومسلم 5000).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر وهو يقول: "يَأْخُذُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ" (مسلم 2788).
وهذا كله ثناء عاطر ووصف باهر لرب العالمين المستحق وحده للكبرياء والعظمة والجبروت.

عباد الله: والجبار لغة هو المصلح للأمور، يجبر الكسير ويصلحه، ويجبر الفقير ويغنيه، ويجبر المريض ويشفيه، ويجبر الخاسر ويعوّضه، ويهلك الظالمين والطغاة.

والجبار -سبحانه- هو يجبر الضعيف والفقير بالقوة والغنى، ويجبر الكسيرَ بالسلامة، ويجبر المظلومَ بالنصر، ويجبر الخيبةَ والفشلَ بالتوفيقِ والأملِ، والخوفَ بالسلامة والأمن، ويجبر المنكسرة قلوبهم بتعويضها، وإحلال الفرح والطمأنينة فيها، وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.

كما أنه جبّار يصلح أمور عباده، يرأب الصدع، ويلم الشمل، ويغني الفقير، ويجبر الكسير، ويعطي المحروم، ويرفع الذليل، وهو كما يقال: يجبر الخواطر، ولقد دعانا أن نتوجه إليه ليجبرنا؛ وما أروع ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ". (صحيح الجامع 8166).
وهذا كله من لطف الله وكرمه وجبره لخلقه ورحمته بهم.

والجبار -سبحانه- هو الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، وهو الذي قهر خلقه على ما أراد من أمر ونهي، قال -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) [ق: 45] أي: لست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، ولم تُكَلَّف بذلك، فهو -سبحانه- جبار تنفُذ مشيئته في خلقه، لا غالب لأمره، وهو (يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد: 41]، وفي بعض الكتب "عبدي أنا أريد، وأنت تريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد". ومن ذلك ما جاء في القرآن العظيم أن الجبار هو من لا تستطيع أن تغلبه، قال -تعالى-: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) [المائدة: 22]، أي أقوياء لا يُهزمون، ومنها يقولون: أجبره أي أكرهه على ما أراد.

والجبار -سبحانه- هو الذي لا يُنَال جانبه، وهو المنيع العزيز الذي لا يُدرَك إحاطةً من قِبَل خلقه، قال -تعالى-: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: 103]، فكل جبار وإن عظُمت قوته فهو تحت قهر الله -عز وجل- وجبروته، وفي يده وقبضته؛ إذ الجبار -سبحانه- عالٍ على خلقه، وهو مع علوه عليهم قريبٌ منهم يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويعلم ما توسوس به نفوسهم.

أيها المسلمون: وكثيرًا ما يُصاب الناس من جهة عدم فهم النصوص الشرعية، وممن ضل فهمُه في هذا الاسم الشريف فرقة الجبرية أهل الضلال، فقد جانبوا الصواب، وزاغوا في مفهوم الجبار، وزعموا أنه الذي يُكرِهُ العبادَ على الفعل، وسلبوا العبيد اختيارهم وحريتهم، وقولهم مردود مرفوض؛ لقوله -تعالى-: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..) [البقرة: 256]، وقوله جل وعلا: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد:10].
وإنما يسقط اختيار العبد ويرتفع التكليف والمسئولية عنه في الأمور التي لا علاقة له بها، أو لا يقدر على تغييرها، أو التعامل معها، كالسنن الكونية التي لا تحويل فيها ولا تبديل، وكالحركات اللاإرادية في الإنسان كحركة القلب، وسريان الروح في الأبدان، وهكذا.

يا عباد الله: تتنوع صور جبره -سبحانه- و-تعالى- لخلقه، وتدبيره لهم، وتصريفه لشئونهم، ومن ذلك أنه -سبحانه- الذي جبر خلقه على ما أراد من أمر ونهي، فشرع لهم من الدين ما ارتضاه، كما قال -سبحانه-: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3]، فشرع للعباد ما شاء من الشرائع، وأمرهم باتباعها، ونهاهم عن العدول عنها، فمن آمن فله الجنة، ومن عصى فله النار، ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل جعل لهم المشيئة في ذلك، وهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئته، كما قال -سبحانه-: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:28 – 29].

وجبر خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خلقٍ.. ولا يمتنع عليه شيء منهم أبدًا، فلا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، قال -تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82].
وقال -سبحانه-: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) [يوسف: 21].

وجبر الأجهزة التي تعمل في جسم الإنسان، فهي مقهورة قهرًا إلهيًّا على العمل بالنحو الذي تعمل عليه، وكلها تعمل بنظام ثابت ومحكم بلا تدخل من الإنسان، وكذلك النجوم والكواكب وسائر الأفلاك والمجرات جبرها بقهره الإلهي تتم في تناسق عجيب ونظام دقيق معجز بالطريقة التي جبرها عليها.

وجبرك حيث يُنسيك الإساءة التي تعرضت لها، والويلات التي ذقتها. ويجبُر بخاطر التائبين بأن يقبل توبتهم، ويقيل عثرات المؤمنين، ويغفر زلاتهم عندما يخطئون، فيسامحهم ويعفو عنهم لسابق إحسانهم.

ويجبر بخاطر الأمة عندما يكسرها عدو بأن يحقق لها نصرًا، أو يُدخِل عدوها في الإسلام. ويُجبر بخاطر الخَدَم والعمال بأن فرَض لهم حقوقًا في الإسلام عند من يعملون لديهم، فعن داود بن أبي عاصم قال بلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ".. اتقوا الله وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن جاءوا بشيء من أخلاقهم يخالف شيئًا من أخلاقكم، فولّوا شرّهم غيركم، ولا تعذبوا عباد الله". (مصنف عبد الرزاق (17934)، وقال الألباني: صحيح).

ويجبر -سبحانه- بخاطر اليتامى؛ حتى ينسيهم فقدان والديهم والوحشة التي يعيشونها، قال -سبحانه-: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) [البقرة: 220] وكما يجبر بخاطر من يجبر بخاطر اليتامى؛ جزاءً له على رحمته، وتعويضًا له على ما قدّمه، فعن سَهْل بْن سَعْدٍ -رضي الله عنه- عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّق بينهما قليلاً" .[أحمد والبخاري (6005) وغيرهما].

ويجبر بخاطر المرأة بسبب ما صحب خِلْقتها من الضعف والرقة والنقص، فعَنْ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ -رضي الله عنه- قَالَ: شهدت مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَجَّةَ الوَدَاعِ، فَقَالَ: "أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ" (صحيح الجامع 7880) وجبرهن بأن جعل لهن نصيبًا في الميراث لم يكن لهن إياه قبل الإسلام.

عباد الله: إن الجبار الحق -سبحانه- يدين له كل شيء، ويخضع له من سواه، وهو بهذا المعنى ليس وصفًا ذميمًا في حق الله -عز وجل-؛ لأنه -تبارك وتعالى- منزّه عن كل ما يناقض كماله المطلق من جوْر وظلم ونسيان وجهل…؛ لأن الجبروت المذموم هو أن تقهر شخصًا آخر على ما لا يريد بما لا يقدر ولا يستحق، والحق تبارك و-تعالى- لا يفعل ذلك, وإذا قهر -جل وعلا- مخلوقًا على شيء فلمصلحةٍ وإن عجز المخلوق عن إدراكها ومعرفتها.

أما جبروت البشر فمذموم؛ لأنه يعتريه الظلم والجور، ويصحبه العمى والجهل، ويرافقه الحقد والانتقام؛ لذا أنكرت الرسل على أقوامهم صفة التجبر والتكبر في الأرض بغير الحق، كما قال -سبحانه- حكاية عن هود -عليه السلام-: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء:130- 131]، ولكنهم عاندوا واتبعوا أمر جبابرتهم، فهلكوا أجمعين؛ قال -تعالى-: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [هود: 59]، والتكبر سببٌ للطبع على القلوب، فلا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا؛ قال -تعالى-: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) [غافر: 35].

إخواني: إن الخلق موصوفون بصفات النقص، مقهورون مجبورون، تؤذيهم البقة، وتأكلهم الدودة، وتشوشهم الذبابة، الواحد منهم أسير جَوْعَة، وصريع شِبْعَة، ومن تكون هذه صفته كيف يليق به التكبر والتجبر؟!.

اللهم إنا نعوذ بك من الكبر والمتكبرين، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الملك الجبار العزيز الغفار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المختار، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الأخيار، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.

أيها المؤمنون: اتقوا ربكم حق تقاته، وأحسنوا الظن به، واعلموا أنه إذا لجأ العبد منكسرًا إلى الجبّار -سبحانه-، فإنه سيجبره، وسيعيش أحلى لحظات العبودية، وسيجد منتهى القرب والرحمة من الله -سبحانه- عاجلاً أو آجلاً. إذ الجبار هو الذي يُجبرك كلما لجأت إليه.

أيها الأخ الكريم: كن جابرًا لمن حولك من الفقراء، وتصدق عليهم، واجبر المتخاصمين، وأصلح بينهم، واجبر المظلوم، وارفع الظلم عنه.

وأكثر من أوصى الله بجبر خواطرهم من الناس هم الوالدان، فإياك أن تكسِر خاطر أبيك أو أمك، أو تُدمِع أعينهم أو تكسِر قلوبهم، ولذلك ورد النفي بمعنى التحذير مرتين في القرآن من التجبر على الوالدين، مرة عن يحيى -عليه السلام-: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم:14]، ومرة على لسان عيسى -عليه السلام-: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [مريم: 32]، إياك أن تشعر بالعار من أبيك أو أمك أو تَكسِر خاطرهما.

ثم لا تكن متجبرًا على خلق الله، فتعرّض نفسك لسخط الله في الدنيا، وعذابه في الآخرة، وقد توعد الله كل متكبر جبار بالعذاب الأليم يوم القيامة، كما قال -سبحانه-: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [إبراهيم: 15- 17].

أيها المسلمون: لقد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- كل من تجبر من العباد وتكبر من العذاب الشديد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ" (الترمذي (2492)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 8040) ، فالجبارون والمتكبرون يُحشرون يوم القيامة أمثال الذرّ يطؤهم العباد تحت أقدامهم.

وعن أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" (أخرجه أبو داود (4090)، وصححه الألباني).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبالْمُصَوِّرِينَ" (صحيح الترغيب والترهيب 3061).
وحذّر المتجبرين والمتكبرين من مصير مخيف، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لي لا يَدْخُلُنِي إِلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ.." (البخاري 4850, ومسلم 2846).

وأكثر -أخي رحمني الله وإياك- من دعاء الله بهذا الاسم، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي" (الترمذي 284 وابن ماجه 898 وصححه الألباني).
قال ابن الأثير: "واجبرني، أي: أغنني، من جَبَر الله مصيبته: أي ردَّ عليه ما ذهب منه وعوضه، وأصله من جبر الكسر". وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: "ما دنوت من نبيكم في صلاة مكتوبة أو تطوع إلا سمعته يدعو بهؤلاء الكلمات الدعوات، لا يزيد فيهن، ولا ينقص منهن: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَذُنُوبِي كُلَّهَا، اللَّهُمَّ انْعَشْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِحِ الأَعْمَالِ وَالأَخْلاقِ، إِنَّهُ لا يَهْدِي لِصَالِحِهَا، وَلاَ يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ" (الطبراني في الكبير (8/200)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/65): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).

عباد الله: إن معرفة الله -سبحانه- باسمه الجبار لها آثار عديدة، ومن ذلك: أن يؤمن المسلم بأن الله -تعالى- هو الجبار الذي له العلو على خلقه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر والجبر، ولا يشفع أحد عنده أو يتكلم إلا بإذنه، ولن يبلغ الخلق ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه.

ولا شك أن الله -سبحانه- جبر خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خَلْقٍ، لا يمتنع عليه شيء منهم أبدًا، قال -تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس:82]، كما جبرهم -سبحانه- على ما شاء من أمرٍ أو نهي، فشرع لهم من الدين ما ارتضاه هو، وقرَّر من الشرائع ما شاء، وأمرهم باتباعها، ونهاهم عن العدول عنها، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار.

ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل لهم المشيئة في ذلك كما قال -سبحانه-: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]
وقال -تبارك وتعالى-: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 7 – 10]، وهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئته، ولو شاء لهدى الناس جميعًا، قال -سبحانه-: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) [الرعد:31].

فثقوا -عباد الله- في وعده، واطمئنوا لذكره، واعبدوا ربكم واشكروا له لعلكم تفلحون.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت على الحق أقدامنا، اللهم اهدنا، واجبرنا، وأصلح جميع أحوالنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئ الأخلاق والأعمال لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين.

اللهم أعطنا ولا تحرمنا، زدنا ولا تنقصنا، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، واجعل أوسع أرزاقنا عند ضعفنا وكبر سننا، اللهم لا تحوجنا إلا إليك، ولا تذلنا إلا بين يديك، وصب علينا الرزق صبًّا، ولا تجعل معيشتنا كدًّا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، اللهم ارزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، آمين.. آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



دارياقلبي
بارك الله جهودكِ الطيبة
اسْأَل الَلّه ان يُجْزِيْك خَيْرَا عَلَيْه وَان يَجْعَلُه فِي مِيْزَان حَسَنَاتِك
بأِنْتِظَار كُل مَاهُو مُفِيْد وَقِيَم مِنْك دَائِمَاً
كل الشكر لكِ مع خالص الود والتقدير
دار

دار

يعطيك ربى الف عاااافيه على الطرح المفيد
جعله الله فى ميزان حسناتك يوم القيامه
وشفيع لك يوم الحساب ………
شرفنى المرور فى متصفحك العطر
دمت بحفظ الرحمن
جزاك الله خير الجزاء
جعله الله في ميزان حسناتك
انار قلبك بالايمان
ورزقك الفردوس الاعلى من الجنان
دمت بحفظ الرحمن
دار
جزاكِ الله خيرا وبارك فيكِ
………………
وسدد خطاكِ لما يحب ويرضى
……………….لا عدمنا جديدك القادم

دار

أسعدتني زيارتي لموضوعك
الله يعطيك العافية
سلمت يداكي موضوع في قمة الروعة
دار