شهر شعبان وتقارير العباد – الشيخ حسان أحمد العمارى

شهر شعبان وتقارير العباد – الشيخ حسان أحمد العمارى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمدُ لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون، وبعدله ضل الضَّالون، ولحكمه خضع العباد أجمعون، لا يُسألُ عما يفعل وهم يُسألون، لا مانعَ لما وَهَب، ولا مُعْطيَ لما سَلَب، طاعتُهُ للعامِلِينَ أفْضلُ مُكْتَسب، وتَقْواه للمتقين أعْلَى نسَب.

بقدرته تهبُّ الرياحُ ويسير الْغمام، وبحكمته ورحمته تتعاقب الليالِي والأيَّام، أحمدُهُ على جليلِ الصفاتِ وجميل الإِنعام، وأشكرُه شكرَ منْ طلب المزيدَ وَرَام، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله الَّذِي لا تحيطُ به العقولُ والأوهام، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه أفضَلُ الأنام، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ السابق إلى الإِسلام، وعلى عمَرَ الَّذِي إذا رآه الشيطانُ هَام، وعلى عثمانَ الَّذِي جهَّزَ بمالِه جيشَ العُسْرةِ وأقام، وعلى عليٍّ الْبَحْرِ الخِضَمِّ والأسَدِ الضِّرْغَام، وعلى سائر آلِهِ وأصحابِه والتابعين لهم بإِحسانٍ على الدوام، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

عباد الله: لقد جعلالله حياة الإنسان في هذا الكون تسير وفق نظام دقيق في جميع جوانبها، فالإنسان لم يخلق سدى ولم يترك عبثًا؛ قال تعالى:(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115، 116].

ولذلك فقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وأقام الحجة، وبيّن طريق الخير والفلاح، وحذّر من طريق الضلال والانحراف، وجعل لهذه الحياة نهاية ليكون بعدها الثواب والجزاء والحساب والعقاب والجنة والنار؛ قال تعالى: (وَاتّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمّ تُوَفّىَ كُلّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) [البقرة:281].

وخلال مسيرة حياتنا هناك أعمال وتكاليف ربانية يجب على الفرد والمجتمع والأمة القيام بها، وهي تحصى علينا وتسجل في كتاب؛ قال تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49].

  • فكل شيء مسجل ومحسوب ويتم توثيقه في سجل لا يغير ولا يبدل ولا يزور؛ قال تعالى: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المجادلة:6]، وقال تعالى:(وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء: 13-14].

وقد وكل الله بكل إنسان ملكين من ملائكته؛ أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيئات؛ قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10-12]، وهناك غيرهم يتعاقبون علينا بالليل والنهار ليرفعوا تقارير للملك الجبار سبحانه عن أعمالنا صغيرها وكبيرها؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر, ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم -وهو أعلم بهم- كيف تركتم عبادي؟! فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون". متفق عليه.

قال النووي: "ومعنى "يتعاقبون": تأتي طائفة بعد طائفة, وأما اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، وتكرمه لهم بأن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم, فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير"..

وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: "قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخمس كلمات، فقال: "إن الله -عز وجل- لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط ويَرْفَعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار، وعملُ النهار قبل الليل…". رواه مسلم.

قال المناوي: "معناه يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، وعملُ الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الحَفَظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل".
فيض القدير شرح الجامع الصغير (2/276).

حتى يوم الجمعة تشهده الملائكة ليكتبوا ويسجلوا الذين يحضرون المساجد للصلاة، بل يسجّلون متى حضر فلان؟!
ومتى حضر فلان؟!
وهناك من لا ينال هذا الشرف بتقصيره وتساهله، وانظروا عندما ترفع حافظة دوام حضور وانصراف الموظفين فيكتب كل واحد مجتهد وحريص على عمله لينال كلمة شكر أو ثناء من مديره، فكيف بمن يثني عليه الله -سبحانه وتعالى-!!

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة ثم كالذي يهدي بقرة ثم كبشًا ثم دجاجة ثم بيضة، فإذا خرج الإمام -أي صعد المنبر ليخطب- طووا صحفهم وجلسوا يستمعون الذكر". البخاري 887.

أيها المؤمنون عباد الله: وترفع الأعمال إلى الله كل يوم اثنين وخميس من كل أسبوع؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: "تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلاَّ امْرءًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا -أي: أخروا- هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا". مسلم.

وهذا بمثابة التقرير الأسبوعي عنك يا ابن آدم، فأين العمل وأين الحياء من الله؟! وأين المسابقة والمنافسة على الأعمال الصالحة؟! وصدق الله إذ يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47].

وأما التقرير السنوي الختامي لأعمالك فإنه يرفع في هذا الشهر -شهر شعبان- الذي غفل الناس عن فضائله ومنحه وجوائزه الربانية، فقد شرع فيه جميع أعمال البر من الصدقة وقراءة القرآن والذكر والصيام، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم أكثر أيامه، وعندما سئل عن ذلك أخبر -عليه الصلاة والسلام- أنه شهر ترفع فيع الأعمال؛ عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "شعبان بين رجب وشهر رمضان، تغفل الناس عنه، تُرْفع فيه أعمال العباد، فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم". صحيح الجامع:3711.

فانظر وتأمل وفكر، كيف سترفع أعمالك؟!
وهل هي أعمال ترفع الدرجات؟!

أم أنها أعمال تستحي أن تعرضها على إنسان مثلك، فكيف برب الأرض والسماوات الذي خلقك ورزقك وأسبغ عليك نعمه الظاهرة والباطنة؟!
هل هذا التقرير يؤهلك للنجاح والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة؟!
أم أنها أعمال ظلمت فيها وقصّرت في العبادات وارتكبت المحرمات وسفكت الدماء وناصرت الظلمة وأخذت حقوق العباد دون وجه حق، وكذبت وزوت وشهدت شهادة الزور وعققت والديك وقطعت رحمك… فإذا كنت كذلك فجدد العزم والتوبة النصوح، واستغل أيامك في طاعته سبحانه قبل أن تنزل بك السكرات، ويفاجئك الموت، وتنقطع الأسباب.

وها نحن في شهر شعبان، انطلق منه لحياة جديدة وعام جديد، وهو شهر يستعد فيه العباد لاستقبال شهر رمضان بتهيئة النفوس بالطاعات والعبادات؛ قال سلمة بن كهيل: "كان يقال: شهر شعبان شهر القرّاء". وقال أبو بكر البلخي: "شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع"، وقال أيضًا: "مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان، فكيف يريد أن يحصد في رمضان؟!".

اللهم استعملنا في طاعتك، ووفقنا لعبادتك.

قلت قولي هَذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية:

عباد الله: في هذا الشهر ليلة عظيمة ينظر الحق -سبحانه وتعالى- إلى عباده، فيمُنّ عليهم بالغفران وتتنزل عليهم الرحمات، روى أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله ليطّلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن". رواه ابن ماجه وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة 1144.

فالمغفرة والرحمة في هذه الليلة لجميع عباد الله المؤمنين الموحدين إلا من لم يحمل صفتين: الأولى خطرها عظيم على التوحيد والعقيدة -وهي الشرك-، وما أكثر الشرك في حياة المسلمين اليوم!! طواف حول القبور، وزيارة السحرة والمشعوذين، ولبس الطلاسم والحرزيات، والاعتقاد أن فلانًا من الناس يضر أو ينفع بقدرته، وهنالك من يدعو الأولياء ويطلب منهم قضاء الحوائج، وهناك الشرك الخفي -وهو الرياء في الأعمال والأقوال-، فمن كانت فيه خصلة من الشرك فليتب إلى الله حتى ينال المغفرة والرحمة في هذه الليلة المباركة.

وأما الصفة الثانية التي يحرم صاحبها من عفو الله ومغفرته في هذه الليلة فهي المشاحنة والمخاصمة والعداوة بين المسلمين، بين الآباء والأبناء، وبين الجيران والإخوان، وبين الأصحاب والأصدقاء، وبين القبائل والأحزاب والجماعات، فلماذا لا يعفو بعضنا عن بعض؟!
ويسامح بعضنا بعضًا؟!
ويتنازل بعضنا لبعض؟!

ولنحذر من فساد ذات البين؛ عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا أدلكم على أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة؟!"، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: إنها تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". صحيح الألباني، غاية المرام 414.

ولنكن ممن قال الله فيهم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10].

والعفو خير ما ينفقه الإنسان ويتقرب به العباد؛ يقول تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة: 219].
ومن أراد أن يعفو الله عنه فليعفُ عن خلقه، فكم من خصومات بين الناس والأهل والجيران والإخوة!!
وكم من قلوب ممتلئة على بعضها البعض بالحقد والغل والبغضاء والحسد!!

فلماذا لا يسامح بعضنا بعضًا؟!
فهل من عفو يبني به المؤمن عزًا ويرفع به قدرًا لنفسه في الدنيا والآخرة ويحفظ به سلامة مجتمعة وأمنه وازدهاره؟!

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". رواه مسلم.

لقد جاءتِ الآيات متضَافِرةً في ذكرِ الصفح والجمعِ بينه وبين العفو كما في قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) [المائدة:13]، وقوله: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) [البقرة:109]، وقوله سبحانه: (وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التوبة:22].

ولنحذر من البدع التي ترتكب في ليلة النصف من شهر شعبان، مثل تخصيص ليلها بالقيام ونهارها بالصيام، فلا يجوز ذلك إلا لمن كان متعودًا على القيام باقي الأيام، أو كان محافظًا على صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض، وليس هناك صلوات أو ركعات في هذه الليلة، ويكفي في هذه الليلة وقبلها أن تأتي بما افترض الله عليك من الطاعات والعبادات، وأن تبتعد عن الشرك بكل صوره، وأن لا تحمل في قلبك لإخوانك المسلمين حقدًا أو غشًا أو غلًا أو حسدًا.

فهل نستفيد من هذا الشهر ونستغل أوقاته بتصفية العقيدة والتوحيد الخالص لله!!

ولنحافظ على العبادات ولنتزود من الطاعات، فرب معصية أورثت ذلاً، ورب طاعة بنت عزًا ورفعت قدرًا، ولنحذر من الشحناء والبغضاء، ولنصفِّ قلوبنا من الحقد والحسد، وليعفُ بعضنا عن بعض، ولنتراحم فيما بيننا.

اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

وقد أمركم ربكم فقال قولًا كريمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وجودك وإحسانك يا أرحم الراحمين.




وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته جزاكي الله كل خير غاليتي



دار




مكائد الشيطان – بدع شهر رجب – الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

مكائد الشيطان – بدع شهر رجب – الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى إلى الناس كافةً بالحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ رسالة ربه، ونصح أمته، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين؛ فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:
فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، اتقوا الله (الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1].

اتقوا الله -أيها المسلمون-، وتيقنوا أن لله تعالى الحكمة البالغة فيما يصطفي من خلقه؛ فالله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ويفضل من الأوقات أوقاتاً، ومن الأمكنة أماكن، ففضل الله تعالى مكة على سائر البقاع، ثم من بعدها المدينة مهاجر خاتم الأنبياء محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، ثم من بعدهما بيت المقدس مكان غالب الأنبياء الذين قصّ الله علينا نبأهم وجعل الله تعالى لمكة والمدينة حرماً دون بيت المقدس، وفضل الله تعالى بعض الشهور والأيام والليالي على بعض، فعدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعةٌ حرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ثلاثةٌ متوالية، وشهر رجب بين جمادى وشعبان، وخير يومٍ طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، وليلة القدر خيرٌ من ألف شهر.


فعظّموا -أيها المسلمون- ما عظّمه الله، فقد ذكر أهل العلم أن ثواب الحسنات يضاعف في كل زمانٍ و مكانٍ فاضل، وأن عقوبة السيئات تعظم في كل زمان ومكان فاضل، وشاهدوا هذا في كتاب الله -عز وجل- وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقول الله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) [البقرة: 217] وقال الله تعالى في المسجد الحرام: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: 25]


وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".


أيها المسلمون: إنكم في هذه الأيام في أوائل شهر رجب أحد الأشهر الأربعة الحرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم، التزموا حدود الله تعالى، أقيموا فرائض الله واجتنبوا محارمه، أدوا الحقوق في ما بينكم وبين ربكم وفي ما بينكم وبين إخوانكم من الخلق، واعلموا أن الشيطان قد قعد لابن آدم كل مرصد، وأقسم لله ليأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا يجد أكثرهم شاكرين، أقسم لله تعالى بعزة الله ليغوينهم أجمعين، إلا عباد الله المخلصين.


أيها المسلمون: إن الشيطان لحريصٌ كل الحرص على إغوائكم وإضلالكم، يصدكم عن دين الله يأمركم بالفحشاء والمنكر، يحبب إليكم المعاصي ويكره إليكم الطاعات، يأتيكم من كل جانب ويقذفكم بسهامه من كل جبهة، إن رأى من العبد رغبةً في الخير ثبطه عنه وأقعده، فإن عجز عنه من هذا الجانب جاءه من جانب الغلو والوسواس والشكوك وتعدي الحدود في الطاعة؛ فأفسدها عليه؛ فإن عجز عنه من جانب الطاعات جاءه من جانب المعاصي.

فينظر الشيطان أقوى المعاصي هدماً لدين الإنسان فيوقعه فيها، فإن عجز عنه من هذا الجانب حاوله من جانبٍ أسهل فأوقعه فيما دون الكفر من المعاصي، فإذا وقع في شرك المعاصي؛ فقد نال الشيطان منه بغيته؛ لأن المرء متى كسر حاجز المعصية أصبحت المعصية هينةً عليه صغيرةً في عينه يقللها الشيطان في نفسه تارة، ويفتح عليه باب التسويف تارةً أخرى.

يقول الشيطان له هذه معصيةٌ هينّة افعلها هذه المرة وتب إلى الله، فباب التوبة مفتوح وربك غفورٌ رحيم، فلا يزال يعده ويمنّه وما يعده الشيطان إلا غروراً، فإذا وقع في هذه المعصية التي كان يراها من قبل صعبةً كبيرة وهانت عليه تدرج به الشيطان إلى ما هو أكبر منها، وهكذا أبداً حتى يخرجه من دينه كله.


ولقد أشار نبينا وإمامنا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- إلى هذا التدرج فيما رواه الإمام أحمد عن سهلٌ بن سعدٍ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه سلم- قال: "إياكم ومحقّرات الذنوب فإنما ما مثل محقّرات الذنوب كمثل قومٍ نزلوا بطن وادٍ فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى أنضجوا خبزهم وإن محقّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه".


أيها المسلمون .. عباد الله: حاسبوا أنفسكم، احذروا مكائد الشيطان ومكره، فإنه يتنوّع في ذلك ويتلوّن، فهذا يأتيه الشيطان من قبل الإيمان والتوحيد فيوقعه في الشك أحياناً، وفي الشرك أحياناً، وهذا يأتيه من قبل الصلاة فيوقعه في التهاون بها والإخلال، وهذا يأتيه من قبل الزكاة فيوقعه في البخل بها أو صرفها في غير مستحقها.


وهذا يأتيه من قبل الصيام فيوقعه فيما ينقّصه من سيئ الأقوال والأفعال، وهذا يأتيه من قبل الحج فيوقعه في التسويف به حتى يأتيه الموت وما حج، وهذا يأتيه من قبل حقوق الوالدين والأقارب فيوقعه في العقوق والقطيعة، وهذا يأتيه من قبل الأمانة فيوقعه في الغش والخيانة.


وهذا يأتيه من قبل المال فيوقعه في اكتسابه من غير مبالاة فيكتسبه عن طريق الحرام بالربا تارة، وبالغرر والجهالة تارة، وبأخذ الرشوة -أحياناً-، وبإهمال عمله تارة، وبأخذ انتدابات وغيرها مما يأخذه بغير حق وهو لم يقم بذلك العمل، إلى غير ذلك من أنواع المعاصي وأجناسها التي يغر بها الشيطان بني آدم، ثم يتخلّي عنهم أحوج ما يكونون إلى المساعد والمعين.


أيها الأخوة .. أيها المؤمنون: استمعوا قول الله -عز وجل- في غرور الشيطان لأبوينا آدم وحواء حين أسكنهما الله تعالى الجنة، وأذن لهما أن يأكلا رغداً من حيث شاءا من أشجارها وثمارها سواء شجرةٍ واحدة عيّنها لهما بالإشارة (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) [البقرة: 35]


ولكن الشيطان وسوس لهما وقال: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) [الأعراف: 20] (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف:21] (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ) [الأعراف: 22] أي أنزلهما من مرتبة الطاعة وعلو المنزلة بغرور.


(فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) [الأعراف: 22]

واسمعوا خداعه إلى قريشٍ في الخروج إلى بدر، وتخليه عنهم، حيث يقول الله تعالى في ذلك: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:48]


واسمعوا قول الله -عز وجل- في خداع الشيطان لكل إنسانٍ وتخليه عنه، حيث يقول الله تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) [الحشر:16] (فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) [الحشر:17]


واسمعوا قول الله تعالى عن الشيطان يوم القيامة: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [ابراهيم:22]


أيها المسلمون: هذا موقف الشيطان ممن خدعه وممن غره وأهلكه فأوقعه في معصية الله، ولهذا قال الله -عز وجل- محذراً عباده منه: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [فاطر:6]


أيها المسلمون: فإن قلتم كيف نعرف ما أمر به الشيطان؟

كيف نعرف الذي يسلط علينا به؟
فإننا نقول إن كل ما تجدون في نفوسكم من تكاسلٍ عن الطاعات وتهاونٍ بالمعاصي وميلٍ إليها فإنه من الشيطان ونزغاته لقول الله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور: 21] وقال تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاء) [البقرة: 268].

فإذا رأيتم من أنفسكم ميلاً إلى المعصية، وإلى ترك الواجب، فإن هذا من أوامر الشيطان؛ فاستعيذوا بالله منه، فإن في ذلك الشفاء والخلاص، قال الله تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأعراف:200] (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) [الأعراف:201].


اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا -ونحن الفقراء إليك وأنت الغني عنا، نحن العاجزون وأنت القادر، نحن الضعفاء وأنت القوي- نسألك اللهم برحمتك أن تعيذنا من الشيطان الرجيم، اللهم أعذنا من الشيطان الرجيم، اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، الذين ليس له عليهم سلطانٌ وعلى ربهم يتوكلون، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.


الخطبة الثانية:

الحمد لله أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبيّن الحق وأوضحه، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:

فإننا -أيها المسلمون- في شهر رجب أحد الأشهر الأربعة الحرم التي قال الله فيها: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) [التوبة: 36] فلا تظلموا فيهن أنفسكم، والتي حرّم الله تعالى فيها القتال إلا مدافعةً عن النفس هذه الأشهر التي أحدها رجب، ليست مخصوصةً بشيءٍ معينٍ من العبادات، إلا شهر المحرم، فإن فيه فضلًا صيامه، وشهر ذي الحجة فإن فيه أداءً النسك، أما رجب فإنه لم يرد في تخصيصه بصيامٍ ولا قيام، لم يرد حديثٌ صحيحٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، كل الأحاديث الواردة في فضل الصلاة في رجب، أو في فضل الصيام في رجب كلها أحاديث ضعيفة جداً.


بل قد قال بعض العلماء إنها موضوعةٌ ومكذوبةٌ على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلا يحل لأحد أن يعتمد على هذه الأحاديث الضعيفة، بل التي قيل إنها موضوعة، لا يحل لأحد أن يعتمد عليها؛ فيخص رجب بصيامٍ أو صلاة؟ لأن ذلك بدعة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار".


ولقد سمعت أن بعض الإخوة الوافدين إلى بلادنا صاموا يوم أمس؛ لأنه أول يومٍ من رجب، وهؤلاء قد يكونون معذورين لكون هذا معروفاً عندهم في بلادهم، ولكنني أقول لهم إن هذا بدعة، وإنه لا يجوز لأحدٍ أن يخصّص زماناً أو مكاناً بعبادة لم يخصّصها الله ورسوله بها؛ لأننا نحن متعبدون بشريعة الله، لا بأهوائنا ولا بميولنا وعواطفنا.


إن الواجب علينا أن نقول سمعنا وأطعنا، نفعل ما أمر الله به، ونترك ما نهى الله عنه، ولا نشرّع لأنفسنا عباداتٍ لم يشرعها الله ورسوله، إنني أقول لكم مبيناً الحق إن شهر رجب ليس له صلاةٌ تخصه، لا في أول ليلة جمعة منه، وليس له صيامٌ يخصه في أول يومٍ منه، ولا في بقية الأيام، وإنما هو كباقي الشهور فيما يتعلق بالعبادات، وإن كان هو أحد الأشهر الأربعة الحرم، ونسبوا ما قيل فيه من الأحاديث الضعيفة ما يروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقول إذا دخل شهر رجب: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان".


ولكن هذا -أيها الأخوة-، وأسمعوا ما أقول، هذا حديثٌ ضعيفٌ منكر، لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء، لأنه لم يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإنما قلته لكم لأنه يوجد في بعض أحاديث الوعظ، يوجد هذا الحديث فيها، ولكنه حديثٌ لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.


أيها المسلمون: إن في ما جاء في كتاب الله وفي ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الأعمال الصالحة؛ كفايةً عما جاء في أحاديث ضعيفة أو موضوعةٍ مكذوبةٍ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإن الإنسان إذا تعبّد لله بما ثبت أنه من شرع الله؛ فقد عبد الله على بصيرة يرجو ثواب الله، ويخشى عقابه.


اللهم إنا نسألك أن ترزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً ورزقاً طيباً واسعاً، وذريةً طيبةً يا رب العالمين، اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.


عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.




إخترتم من رياض الكلم أجمل العبارات
وسطرتم لنا بها كل ما ينير العقل ويلهم الروح
دمتم ودام حسن اختياركم




كيف يعيد الله البشر إلى الحق – الشيخ محمد صالح المنجد

كيف يعيد الله البشر إلى الحق – الشيخ محمد صالح المنجد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


عباد الله: لقد خلق الله خلقه على الفطرة التي فطرهم عليها، قال تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم:30]، هذه الفطرة هي التوحيد، معرفة الله، معرفة الحق، الانجذاب إليه، تمييزه، الإقبال عليه.


هذه الفطرة هي الأصل الموجود في كل مولود: "كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها، وينصرانها" رواه أحمد، "ما مِن مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرناه، أو يمجسانه" متفق عليه.


هذا الحق الذي فطر الله الناس عليه، وهو أصل دين الإسلام عند جميع الأنبياء، وهو معرفة الله، وتوحيده، وعبادته وحده لا شريك له.


أيها المسلمون: هذا الحق، هذا المنهاج، هذه الشريعة، هذا الدين بما فيه من أعمال القلب التي يعتقدها القلب، وأعمال الجوارح، العبادات التي نقوم بها لله -تعالى-، هو الدين دين الحق، ولا دين غيره حق، وكل الأديان التي على الأرض باطلة إلا دين الإسلام.


وهؤلاء البشر كثير منهم على ضلالة إلا من هداه الله -تعالى-، فكثير منهم يعبدون غير الله، وبعضهم لا يعبد شيئاً، وبعضهم يعبد هواه، ويحارب أهل الباطل أهل الحق كي يردوهم عن دينهم، ويحاولون طمس الحق، (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ) [الصف:8].


وهم ويجلبون بخيلهم ورَجِلِهم على هذا الحق، لكن الله -سبحانه وتعالى- يفعل في عباده ما يبين لهم الحق، ويعيد بعضهم إليه، فكيف يعيد الله تعالى المعاندين والأعداء، أو الذين ضلوا عن الحق، كيف يعيدهم إليه؟.


من ذلك أنه -سبحانه وتعالى- أبقى في الأرض شواهد على فناء الأمم السابقة، (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِم) [يونس:102]، وهذا تهديد: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) [الروم:9].


هذه التهديدات تبين للعباد أنكم إذا لم ترجعوا فسأفعل بكم مثلما فعلت بالمعاندين الأول: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُر) [القمر:43].


إن الله -سبحانه وتعالى- يعيد الناس إلى الحق بتخويفهم بالآيات: زلازل، براكين، أعاصير، أمراض، نكبات، مصائب، هذا التخويف رحمة من رب العالمين، هذا التخويف يجعل العباد يراجعون أنفسهم.


ومن ذلك أنه -سبحانه وتعالى- ينزل عذاباً، أو مقدمة عذاب،كما حصل مع قوم يونس لما بدأت مقدمات العذاب تأتي.


فماذا حصل عند ذلك؟ قوم يونس لما رأوا مقدمة العذاب قالوا: ما كان يونس كاذباً؛ فأخْرَجوا أولادهم الصغار مع الأمهات، وأخرجوا إبلهم مع صغارها، وأبقارهم مع عجاجيلها، وغنمهم مع سخالها، وجأروا إلى الله: (إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ) [يونس:98]، فكشف الله عنهم العذاب.


الله -عز وجل- يرد البشر إليه أحياناً بالابتلاءات، فيبتلي الله تعالى في الجسد والولد والمال، يبتلي الله -سبحانه وتعالى- بعض عباده بأشياء؛ ليسمع شكواهم، ليتضرعوا إليه، ليعودوا ويؤوبوا ويتوبوا، فقال -سبحانه-: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ) [المؤمنون:76].


هذه الابتلاءات التي تكون في النفس وما عند الإنسان تعظه، وترده إلى ربه، هذه الابتلاءات التي تعيد الإنسان إلى صوابه التي تعرِّفه بحقيقة الدنيا أنها زائلة، فاستيقِظ من الشهوات، فإن الشهوات لها تبعات، استيقظ من الغفلة، استيقظ من التهائك بالدنيا: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران:14].


يعيدهم الله -سبحانه وتعالى- إليه، وقال ربنا: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف:168]، اختبرناهم بالرخاء بعد الشدة، وبالشدة بعد الرخاء، لعلهم يطيعون ربهم، لعلهم ينيبوا إليه، نبتليهم بالحسنات لعلهم يشكرون الله، ونبتليهم بالسيئات لعلهم يتوبون إلى الله.


وتأمل في هذه الآية -يا عبد الله- تجد حكماً كثيرة لله: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الأعراف:168]، إذن؛ فالله -عز وجل- رحيم بالعباد، الله -سبحانه وتعالى- يريد أن يردهم.


وعندما يعرض العباد من كل جهة يأتي الله بالعذاب: (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [يونس:98].

قد يرد الله العباد يردهم بأدلة تكشف لهم الحق: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت:53].

وهكذا؛ يرى كثير من الفلكيين والأطباء والعقلاء في الواقع ما يدلهم على الله، وعلى دينه، وعلى أحكامه وشرعه، ومن ذلك أن بعض الأطباء عندما يرى تفصيل أطوار الجنين في القرآن، هذا الكتاب الذي نزل منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام! فمَن أدرى الذي أُنزل عليه بهذه التفصيلات؟!.


طبيب أمراض جلدية من غير المسلمين، بل من غير العرب، هذا الرجل في جامعة من جامعات الغرب، كان سبب اهتدائه للحق وإسلامه أن أحد المسلمين الذين ناقشوه عرض عليه قول الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ) [النساء:56].


لقد كان يعلم بأن الأعصاب في الجلد، الإبرة تؤلمك عندما تدخل جلدك فإذا غاصت بعد ذلك أنت لا تحس، فلما لفت نظره إلى هذه الآية التي يعرف من خلال تخصصه ما تنطوي عليه من العلوم التي درسها.


ويحصل هذا لكثير ممن يسلمون، إنهم يرون من خلال الآيات والأحاديث ما يدركون به أن الكلام الموجود في هذا القرآن لا يمكن أن يكون من عند بشر، فمَن أدرى بشراً قبل نحو ألف وأربعمائة سنة قبل انفجار المعلومات، وقبل العلم الحديث، ما الذي أدراه بهذا؟!.


الله -سبحانه وتعالى- يعيد العباد إليه بأشياء كونية، فعندما يحدث تسونامي ضخم مثلاً في جنوب آسيا، ويحدث تسونامي ضخم آخر في شمال آسيا، عندها يعرف الناس حقيقة الجسور والمصانع، حقيقة المنشآت التي أنشؤوها، وأنها لا شيء أمام قوة الله تعالى: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [الفتح:4].


ويأمر -عز وجل- البحر، ويأمر الأرض؛ فتهتز، فتأتي الأمواج لتغرق، وترتفع عشرات الأمتار، فعند ذلك يرى البشر ضعفهم، فمن الذي يسير الموج؟ ومن الذي يأمر الرياح؟ فيردهم -سبحانه- إليه، ويذكرهم بقوته؛ لعلهم يتوبون لعلهم يرجعون.


وهكذا تنقلب بلد من أغنى بلاد في العالم إلى بلد فيها مستويات فقر جديدة لم يُسمع عنها من قبل أبداً! هذه فرصة أهل الإسلام لعرض الدين على العالم، والله -عز وجل- يذكر بأفعاله الأفراد والجماعات، والأمم والدول، يذكرهم به وبقوته، ودينه وشرعه.


اللهم ردنا إلى الإسلام رداً جميلاً يا رب العالمين، واجعلنا ممن يؤمن بك، ويتوكل عليك، ويعمل بشرعك، يا أرحم الراحمين.


أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله!.


وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، دعا الله ولم يشرك به أحداً، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه، وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.


عباد الله: هذا المبدأ الإلهي، الذي هو إعادة الناس إلى الفطرة، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، حتى مع المعاندين، حتى مع العتاة يجري الله من الأحداث ما يعرفهم به بالحق.


بنو إسرائيل استعصوا على موسى، وقالوا: (أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) [النساء:153]، (اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) [الأعراف:138]، تمردوا على الله، وعاندوا أوامره، وراوغوا، و(لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) [المائدة:24].


عملوا أشياء من العناد والمراوغة مع موسى -عليه السلام- معتدِين على حق الله، أشياء عظيمة، ولما أنزل الله التوراة، وتمردوا على العمل بها، ماذا فعل ربنا؟ قال: (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأعراف:171].


قال ابن عباس: سار بهم موسى -عليه السلام- متوجهاً نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمره الله -تعالى- به أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم، وأبوا أن يقربوها حتى ينتق الله الجبل فوقهم كأنه ظلة، فرفعته الملائكة فوق رؤوسهم، حتى قال لهم موسى: هذا كتاب أتقبلونه بما فيه؟ فيه بيان ما أحل لكم، وما حرم عليكم، وما أمركم وما نهاكم، أوحى الله إلى موسى أن يأمرهم بما فيه بقوة؛ ليأخذوه بقوة، والجبل فوقهم.


ولما نظر كل واحد منهم إلى الجبل فوقه خروا سجداً، الواحد يخر على حاجبه الأيسر وحاجبه الأيمن ينظر به إلى الجبل فرقاً وخوفاً وذعراً أن يسقط عليه، حتى سلَّموا واستسلموا، وهكذا أعادهم الله -سبحانه وتعالى-.


الله عز وجل يبين الآيات للناس، ويرسل الرسل، وبالأسهل، وباللين، الله -عز وجل- يعرض شرعه على الناس بسلام، فيتمردون، ويطغون، ويبغون، فيريهم الله في أنفسهم مصائب، يريهم آيات، وأنا أجزم لكم أن الكفار قد رأوا بدراساتهم كثيراً من الحق الموجود في القرآن والسنة، ما الذي دفع هؤلاء في أمريكا حديثاً في ألفين وستة إلى إصدار قانون لفتح مدارس حكومية فدرالية غير مختلطة؟ لدراسات توصلوا من خلالها إلى أن عدم الاختلاط هو الأصلح من الناحية الدنيوية، في التحصيل الدراسي، وجدوا أن دراسة الذكور وحدهم، والإناث منفصلات عن الذكور يرفع المستوى الدراسي.


الله -عز وجل- يبين الآيات للناس، ويرسل الرسل، وبالأسهل، وباللين، الله -عز وجل- يعرض شرعه على الناس بسلام، فيتمردون، ويطغون، ويبغون، فيريهم الله في أنفسهم مصائب، يريهم آيات.

هؤلاء، نجزم -أيها الإخوة- أنهم قد رأوا من خلال أبحاثهم هم -وليس أبحاثنا نحن-، قد رأوا أشياء كثيرة من الحق، ومنها على سبيل المثال: تحريم الربا، أرى الله الغرب الآن آيات عظيمة في حكمة تحريم الربا، لما انتشر الربا وفشا، فلا تقام مشاريع إلا بالربا، ويقترض بالربا لشراء المواد الخام والآلات، ودفع رواتب العمال، وهكذا، حتى دارت عجلتهم بالربا، يظنون أنهم إذا أقاموا المنشأة، وزرعوا، أو صنعوا، وباعوا، وكسبوا، وربحوا أعادوا الربا، وبقي لهم بقية.

لكن الربا ليس بهذه السهولة؛ ولذلك لم تستطع شركات ولا مصانع أن تسدد؛ فأفلست، وآخرها شركة الطيران الأمريكية المشهورة، بنوك أفلست، ثم الآن يضرب الإفلاس الدول، تفلس دول! هذه اليونان، ثم إيطاليا، وأسبانيا، والبرتغال، ويبلغ الدين الأمريكي خمسة عشر ترليون دولار! دَين من الربا!.


صارت الحكومات تعجز عن سداد الربا، وصارت هذه السندات سندات الخزينة يُلعب بها، مثلما يلعب بأموال الأفراد في البورصة، هكذا رأى الغرب بنفسه الآن الإفلاس على جميع المستويات، فصاروا يعبرون عن أنفسهم، يقولون: نحن حالنا الآن كحال بيت يحترق، وليس له نوافذ ولا أبواب، يعني كأنهم يقولون: لا نستطيع أن نعمل شيئاً، وصلنا إلى حالة لا نستطيع أن نعمل شيئاً، وهكذا! عملات عالمية كبيرة كانت تُعلق عليها الآمال تضرب، وهكذا! كيانات اقتصادية عالمية على مشارف التفكك.

أيها الإخوة: ما هذا؟ هذه آيات يري الله بها العالم أنهم إذا حادوا عن شرعه، ولم يعملوا بما أنزل، فهي النتيجة، قد يهلك بعضهم قبل أن يتبع الحق، وقد يعاند بعضهم ولا يتبع بالرغم مما جاءه من الآيات: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى) [العلق:6]. ومن الطغيان أن يروا الآيات، فيعرضوا عنها، وهذا كثير.

يا عباد الله: المصيبة رؤية الآيات ثم الإعراض، ونحن -أهل الإسلام- نستسلم لله، نحن لا نحتاج إن -شاء الله- أن نضرب لنعود، نحن نعرف التوبة جيداً، ونعرف أن شرع الله هو الحق، ونعرف أن الغرب والشرق مهما فعلوا، ومهما وصلوا، فإنهم لا يمكن أن يساموا شرع الله، ولا أن يساووه، ولا أن يدانوه، أو يقتربوا منه؛ ولذلك كل ما يحدث في العالم يزيدنا ثقة بديننا، يزيدنا ثقة بشرعنا، ولا بد أن نصرّ على الحق، وأن نستمسك به، ونعلم أن هذا طريق الله، ولا بد أن نتبعه.


اللهم اغفر لنا أجمعين، وتب علينا يا أرحم الراحمين، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.


اللهم آمِنَّا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، اللهم اجعلنا في بلدنا هذا آمنين مطمئنين، اللهم واجعل المسلمين إخواننا في أمن وسلام يا أرحم الراحمين.


انصر المستضعفين، انصر المستضعفين، انصر المستضعفين من المسلمين، وارحمهم، يا أرحم الراحمين…




الله ينور قلبك بالعلم والايمان
ويشرح صدرك بالهدى واليقين
وييسر امرك ويرفع مقامك فى العلين
ويحشرك بجوار النبى الامين
تقبلى مرورى




التحذير من الكبر وبيان آثاره السيئة – الشيخ صالح بن فوزان الفوزان

التحذير من الكبر وبيان آثاره السيئة – الشيخ صالح بن فوزان الفوزان

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله الذي منّ علينا بنعمه التي لا تُحصى، وأرانا من آياته ما فيه عبرة لأولي النهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى، (إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:4 ]، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وكل من سار على طريقته المثلى، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

أيها الناس اتقوا الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه لعلكم تفلحون، أيها المسلمون –خصلة ذميمة، وآفة عظيمة، حذر منها الله ورسوله غاية التحذير، يتصف بها كثير من الناس اليوم، ألا وهي صفة الكبر، أعاذنا الله وإياكم منها، قال بعض السلف: أول ذنب عُصي الله به الكبر، قال الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة:34]

وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم معنى الكبر في الحديث الذي رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إن الرجل يُحب أن يكون ثوبُه حسناً ونعله حسنة. قال إن الله جميل يحب الجمال –الكبر: بطر الحق وغمط الناس" وبطر الحق: دفعه ورده على قائله، وغمط الناس: احتقارهم- فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن التجمل في الهيئة واللباس أمر محبوب عند الله وليس هو الكبر، وإنما الكبر صفة باطنة في القلب تظهر آثارها في تصرفات الشخص فتحمله على عدم قبول الحق وعلى احتقار الناس، فإبليس لما تكبر على آدم حمله على أن امتنع من امتثال أمر ربه له بالسجود، وهو الذي حمل الكفار على مخالفة الرسل لما جاءوهم بالآيات البينات: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [النمل:14] والكبر يمنع المستكبر من أن يدعو ربه ويعبده قال تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر:60]
والكبر: هو الذي يمنع بعض الناس الذين أعطوا شيئاً من الثروة أو الرئاسة على ترك الصلاة في المسجد، فترى المسجد إلى جانب بيت أحدهم أو قريباً منه، ويسمع الأذان كل وقت، فلا يدعه الكبر يذهب إلى المسجد، ويقف بين يدي ربه مع المصلين، لأنه يرى نفسه أكبر من ذلك.

والكبر هو الذي يحمل بعض الناس على ترك العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: أن رجلاً أكل عند النبي صلى الله عليه وسلم بشماله، فقال: "كل بيمينك، قال: لا أستطيع. قال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر، قال فما رفعها إلى فيه" .

والكبر: هو الذي يمنع من تعلم العلم النافع كما قال بعض السلف: إن هذا العلم لا يناله مستح ولا مستكبر، والكبر: هو الذي يحمل بعض الناس على إسبال ثيابه تحت الكعبين والتبختر في مشيته، ففي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عله وسلم قال: " بينما رجلٌ يمشي في حلة تعجبه نفسه مُرَجّل رأسه يختال في مشيته، إذ خسف الله به فهو تجلجل في الأرض إلى يوم القيامة".

عباد الله: إن التكبر عن الحق والتكبر على الخلق يوجبان أنواعاً من العقوبات العاجلة والآجلة، ومن أعظم ذلك أن المستكبر يصرف قلبه عن الهدى قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) [الأعراف:146] وقال تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ) [الأعراف:101] وفي "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يومَ القيامة" وقال عليه الصلاة والسلام: "يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناسُ يغشاهم الذل من كل مكان" رواه الترمذي والنسائي

– قال سفيان بن عيينة رحمه الله: من كانت معصيته في شهوة فارج له التوبة, فإن آدم عليه السلام عصى مشتهياً فغفر له لما تاب فإذا كانت معصيته من كِبر فاخشَ عليه اللعنة, فإن إبليس عصى مستكبراً فلعن وكيف لا تعظم آفة الكبر وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر"
وإنما صار الكبر حجاباً دون الجنة، لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين، لأن صاحبه لا يقدر أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع ولا على ترك الحقد والحسد والغضب، ولا على كظم الغيظ وقبول النصح. ولا يسلم من الازدراء بالناس وتنقصهم فما من خُلق ذميم إلا والكبر يجر إليه، وأشر أنواع الكبر ما يمنع من قبول الحق والانقياد له.

عباد الله: إن على الإنسان أن يدفع الكبر عن نفسه بأن يعرف أصله ونشأته. وفقره وحاجته، ويعرف ربه وعظمته ومقامه بين يديه، يكفيه أن ينظر في أصل وجوده من العدم، من تراب ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة.

فقد صار شيئاً مذكوراً. بعد أن كان جماداً لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرك فقد ابتدأ بموته قبل حياته، وبضعفه قبل قوته، وبفقره قبل غناه، ثم يموت ويصير تراباً يعذب أو ينعم في قبره ثم يبعث ويحاسب ويجازى بعمله، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (قُتِلَ الأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ *ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ *ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ* كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [عبس:17-23] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.




دار

دار
أختي الغالية
جزاكِ ربي كل الخير وكتب أجركِ
وسلمتي ياقلبي موضوع مهم
وانار الله قلوب الجميع بذكر الرحمن
جزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,
دارداردار
دار




طرح روحانى قيم
سافر بنا الى عالم الآيمان والهدى
سلمتم ولا عدمنا جديد طرحكم




بارك الله لك على الطرح الطيب
وجزاك الخير كله
اثابك ورفع من قدرك
ووفقك الله لمايحبه ويرضاه




حسن الظن بالله – الشيخ محمد صالح المنجد

حسن الظن بالله – الشيخ محمد صالح المنجد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ترى كثيراً من الناس يقعون في مصائب وأزمات؛ فيدعون الله كثيراً، فإذا تأخرت الإجابة استحسروا، وتركوا الدعاء، وقالوا: لا يريد الله أن يستجيب لنا، ونحو ذلك من الأمور، أولئك أناس أساؤوا الظن بربهم، ولو أحسنوا الظن بالله لما تركوا الدعاء.

إخواني: إن حسن الظن بالله تعالى من صميم التوحيد، حسن الظن بالله من واجبات التوحيد، إن الله تعالى مدح الذين أحسنوا الظن به، وأثابهم، وذم الذين أساؤوا الظن به، فقال الله عنهم: (يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ) [آل عمران:154]، فحسن الظن من العبادات القلبية التي طالما غفل عنها كثير من المسلمين، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي؛ فليظن بي ما شاء"، وقال الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي؛ إن ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله"، وقال الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني"؛ ولذلك ترى كثيراً من الناس يقعون في مصائب وأزمات؛ فيدعون الله كثيراً، فإذا تأخرت الإجابة استحسروا، وتركوا الدعاء، وقالوا: لا يريد الله أن يستجيب لنا، ونحو ذلك من الأمور، أولئك أناس أساؤوا الظن بربهم، ولو أحسنوا الظن بالله لما تركوا الدعاء، لو أحسنوا الظن بالله ما وقعوا في الاستحسار، لو أحسنوا الظن بالله ما يأسوا من رحمة الله، هؤلاء المرضى من أصحاب الأمراض المزمنة الذين يدعون الله بالشفاء، وقد يؤخِّر الله الشفاء عنهم لحكم يعلمها -سبحانه وتعالى-، فإذا وجدوا ذلك تركوا الدعاء، وقالوا: لا نُشفى؛ أساؤوا الظن بالله، أساؤوا الظن بربهم -تبارك وتعالى-، ويقول الله تعالى في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة". سبحانه وتعالى، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى:11]، "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني"، "والله لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، "ومن تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً".

فيا عبد الله المذنب، الذي أسرف على نفسه: لو بلغت ذنوبك عنان السماء، إن الله يغفر الذنوب جميعاً، وكثير من العصاة إذا أرادوا أن يتوبوا قالوا: هل يُغفر لنا؟!
هل يغفر الله لنا؟!

كثرت ذنوبنا، إنها مع كثرتها نحن نستبعد أن تُغفر لنا، هؤلاء أناس أساؤوا الظن بالله، هؤلاء أناس ما عرفوا قدر الله، يئسوا من رحمة الله، إذا كان الله يقول: إنه يغفر الذنوب جميعاً، فلماذا نستبعد ونستكثر أن يغفر الله ذنوبنا؟!
لماذا لا نقبل على الله وندعوه ونتوب إليه ونستغفره؟!
والله تعالى يتولى المغفرة، ويتولى ستر الذنوب وستر العيوب -سبحانه وتعالى-، فإذًا لا تيأس -يا عبد الله- مهما كانت ذنوبك من مغفرة الله.

ويتأكد حسن الظن بالله عند نزول الموت تأكداً شديداً وعظيماً، وقد ورد في ذلك من النصوص الشرعية ما يجعل المسلم يذكر نفسه دائماً، ويقول لنفسه: اذكري يوماً إذا نزل الموت أن تكوني حسنة الظن بالله، قال -عليه الصلاة والسلام-: "لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله -عز وجل-"، يحسن الظن بالله كما فعل الشاب الذي نزل به ما نزل، فدخل عليه -صلى الله عليه وسلم-، وسأله عن حاله: "كيف تجدك؟!"، قال: والله -يا رسول الله- إني أرجو الله وأخاف ذنوبي -خوف ورجاء-، فأخبر -عليه الصلاة والسلام- أنهما "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف".

وعن حيان أبي النضر قال: خرجت عائداً ليزيد بن الأسود، فلقيت واثلة بن الأسقع -واثلة صحابي- وهو يريد عيادته -يريد أن يعود المريض يزيد بن الأسود-، فدخلنا عليه، فلمّا رأى واثلة بسط يده، لما أُخبر بدخول واثلة بسط يده يشير إليه، فأقبل واثلة حتى جلس، فأخذ يزيد بكفي واثلة، واثلة الذي لامست كفاه كف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخذ بكفي واثلة، فجعلهما على وجهه، فقال له واثلة: كيف ظنك بالله؟! قال: ظني بالله والله حسن، قال: فأبشر، فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "قال الله -جل وعلا-: أنا عند ظن عبدي بي؛ إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله"، وفي رواية أخرى صحيحة عن حيان قال: قال واثلة بن الأسقع: قُدْ بي إلى يزيد بن الأسود؛ فإنه قد بلغني أنه به لمم -يعني نزل به المرض-، قال: فقدته، فدخل عليه وهو ثقيل، فقلت له: إنه ثقيل قد وُجِّهَ، وقد ذهب عقله، قال: نادوه، فنادوه، فقلت: إنَّ هذا واثلة أخوك، قال: فأبقى الله من عقله ما سمع أنَّ واثلة قد جاء، قال: فمد يده، فجعل يلتمس بها، فعرفت ما يريد، فأخذت كف واثلة، فجعلتها في كفه، وإنما أراد أن تقع يده في يد واثلة لموضع يد واثلة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعل يضعها مرة على وجهه، ومرة على صدره، ومرة على فيه، قال واثلة: ألا تخبرني عن أي شيء أسألك عنه؟! كيف ظنك بالله؟! قال: أغرقتني ذنوبي، وَأَشَفْتُ على هلكة، لكني أرجو رحمة الله، قال: فكبر واثلة، وكبر أهل البيت بتكبيره، قال: الله أكبر! سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يقول الله -عز وجل-: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن ظان ما شاء".

فلا يجوز لمسلم أن يظن بربه إلا خيراً، فإن ظن بالله خيراً كان الله عند ظن هذا العبد، لكن هل هذا الأمر يقودنا إلى التواكل؟! هل يقودنا إلى الاتكال على الرحمة، وترك العمل، والوقوع في الكبائر والذنوب؟!

كلا والله، هذا حرام لا يجوز، فإن الاتكال إنما يكون مع الإحسان، يتخذ الأسباب الشرعية، ويحسن في العمل، ثم يتكل على الله، يتكل على رحمته، يحسن الظن بربه -سبحانه وتعالى-، يحسِن الظن أن الله لن يضيع له عمله، ويجعله هباءً منثوراً، يحسن الظن أن الله سيجازيه على عمله، يحسن الظن بالله أنه سيضاعف له الحسنات، فهو يعمل، ثم يحسن الظن بالله في أن أعماله تبقى، وأن الله يجازيه عليها، هذا رجاؤه بالله، هذه عقيدته بالله، هذا ظنه بربه، هكذا يكون المؤمن.

أما أن الإنسان يقول: أحسن الظن بربي وهو يسيء العمل، ويُصر على الكبائر، ويعمل الظلم، ويقوم بالمخالفات الشرعية، فإن وحشة هذه المعاصي والظلم والحرام ستمنعه من إحسان الظن بربه، ولن يكون الإحسان صحيحاً مطلقاً، وهذا العبد آبق عن ربه، شارد عن الله، خارج عن طاعة الله، كيف يجمع وحشة في قلبه وإحساناً وهو يحسن الظن بربه؟!

كيف يجمع حسن الظن بربه، ووحشة المعاصي تملأ قلبه؟!
هذا لا يكون أبداً؛ ولذلك فإن الذي يبارز الله بالمعاصي لا يمكن أن يحسن الظن بالله، إذا عادى أولياء الله، ووالى أعداء الله، كيف يحسن الظن بالله؟!
لا يجتمعان في قلب واحد، قال الله لقوم من الكفرة: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ) [فصلت:23]، ماذا كانوا يظنون؟! أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون؟! يظنون أن الله ما سمعهم لما قالوا، ولا رآهم لما عملوا، وهم سادرون في غيهم؟!

أيها المسلمون: ينبغي أن نتأمل هذا الموضع، كيف نجمع بين إحسان العمل، والقيام بالصالحات، وأداء الفرائض، وفعل المستحبات، والبعد عن المحرمات، ونحن نحسن الظن بالله في نفس الوقت، نحسن الظن بالله، نشعر أنه يسمع كلامنا، ويرى مكاننا، ويعلم سرنا وعلانيتنا، لا يخفى عليه شيء من أمرنا -سبحانه وتعالى-، ونحن نحسن الظن به أن يجازينا على أفعالنا الحسنة، ولن يضيعها لنا، وفي نفس الوقت نحن نخاف الله، ونتذكر حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما كان عنده دنانير، ثم غشي عليه، فلما قام وعافاه الله سأل عنها: هل فرقت على وجهها، وصرفت إلى مستحقيها؟!
فلما علم أن عائشة انشغلت عن ذلك، قال: "ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده؟!"، فيا لله ما ظن أصحاب الكبائر والظلمة إذا لقوا الله، ومظالمهم هذه محسوبة مكتوبة، مرصودة عند ربهم، قد جاءت بين أيديهم حاضرة، مكتوبة مسطرة: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49].

ومن أوجه الظن الحسن بالله كذلك أن تحسن الظن بالله في رزقك، وأنت تطلب الرزق تحسن الظن بالله أن الله سيرزقك، ويسوق رزقك إليك، وأنه سبحانه لن يضيعك، فإن الله لا يضيع من يتوكل عليه: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) [الطلاق:3]، ومن يتوكل على الله يرزقه من حيث لا يحتسب.

واستمعوا إلى هذه القصة: قال أبو هريرة -وهذا الحديث قد ورد مرفوعاً وفيه شهر بن حوشب حسَّن حديثه بعض أهل العلم، وورد موقوفاً على أبي هريرة بإسناد حسن-، قال أبو هريرة: "بينما رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره، فدخل على امرأته جائعاً قد أصابته سغبة شديدة، فقال لامرأته: أعندك شيء؟! قالت: نعم أبشر، أتاك رزق الله"، المرأة ما عندها شيء لكن ظنت بالله ظناً حسناً، وتوكلت على الله توكلاً قوياً، "قالت: أبشر أتاك رزق الله، فاستحثها، فقال: ويحك ابتغي إن كان عندك شيء، قالت: نعم هنيهةً"، اصبر اصبر -ترجو رحمة الله- ترجو رجاءً قوياً، امتلأ قلبها باليقين أن يأتيها رزق من الله، "حتى إذا طال عليه الطوى والجوع، قال: ويحك، قومي فابتغي إن كان عندك خبز فائتيني به؛ فإني قد بلغت وجهدت، فقالت: نعم الآن ينضج التنور". انتظر لا تعجل على الفرن، "الآن ينضج التنور؛ فلا تعجل، فلما أن سكت عنها ساعة، وتحينت أيضاً أن يقول لها"، يرجع ويطلب مرة أخرى، لما ظنت أنه سيقول الآن لها مرة أخرى، "قالت هي من عند نفسها: لو قمت فنظرت إلى تنوري"، وتنورها ليس فيه إلا الحجارة، "فقامت فوجدت تنورها ملآن جُنُوب الغنم، ورحييها تطحنان" الرحيان تطحنان، والتنور ملآن جنوب الغنم، "فقامت إلى الرحى فنفضتها، وأخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم"، قال أبو هريرة: "فوالذي نفس أبي القاسم بيده عن قول محمد -صلى الله عليه وسلم-: "لو أخذت ما في رحييها ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة". تبقى تطحن إلى يوم القيامة.

من قنط من رحمة الله، وأيس من روح الله؛ فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله يعذب أولياءه وعباده الصالحين وهم محسنون؛ فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله يترك خلقه سدى معطلين لا رسول ولا كتاب؛ فقد أساء الظن بالله.

فتوكلوا على الله -يا أيها المسلمون- في تحصيل الأرزاق، لا تنسوا حسن الظن بالله، إذا توجهت إلى عمل، وإلى تحصيل مكسب أحسن الظن بالله، تفكّر وتمعّن، وتيقّن وآمن أن الله سيرزقك، وتوجّه وابتغِ الأسباب، وثق بأن الله سيرزقك، لكن الذين الآن يدخلون بعض أبواب الرزق فلا يوفقون، فماذا يقولون في أنفسهم: لا فائدة، بحثنا، وهم يشكون في أن الله سيرزقهم، ظنهم بالله بدأ يسوء، فهؤلاء ربما ينتكسون، ويرتدون على أعقابهم، فلا يأتيهم شيء، وأكثر الناس ظنهم بالله سيئ، فمن قنط من رحمة الله، وأيس من روح الله؛ فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله يعذب أولياءه وعباده الصالحين -وهم محسنون- فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله يترك خلقه سدى معطلين بلا رسول ولا كتاب؛ فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله لن يجمع الخلق بعد الموت، وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع؛ فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله سيضيع عمله الصالح، وقد امتثل أمر ربه بالعمل، وأنه سيبطل عمله دون سبب بلا رياء ولا شيء؛ فهذا إنسان مسيء الظن بربه، ومن ظن أن الله يؤيد أعداءه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله؛ فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله يعذب من أفنى عمره في طاعته؛ فقد أساء الظن بالله، ومن ظن أن الله يرفع أبا جهل في أعلى عليين، وأنه ينزل أبا بكر في أسفل السافلين مثلاً؛ فهذا مسيء الظن بالله، هكذا يعتقد بعض الضلال، هكذا من عقائدهم، يقولون: يفعل ما يشاء، يعني: يمكن أن يفعل كذا، كلا هو يفعل ما يشاء، لكن شاء بحكمته ورحمته أنه يجعل أهل الإيمان في الجنة وأهل الكفر خالدين مخلدين في النار.

نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعل ظننا به حسناً، اللهم اجعل ظننا بك حسناً، واغفر لنا ذنوبنا، وكفّر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، البشير النذير، والسراج المنير، دعا إلى الله، وآمن بالله، وعمل لله، وجاهد في سبيل الله، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: إن بعض الناس من سوء ظنهم بالله إذا رأوا في الواقع أمورًا تنكرها عقولهم المريضة خرج ظنهم السيئ بالله على ألسنتهم، قال ابن عقيل -رحمه الله-: الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلَّدة بالفضة والذهب، وداراً مشيدة مملوءة بالخدم والزينة لفاسق من الناس، قال: انظروا إلى إعطائهم مع سوء أفعالهم! قال: كيف يعطيهم الله هذا وهم لا يستحقون؟! أفعالهم سيئة، ظلمة، كفرة بأيديهم اقتصاد العالم! كفرة بأيديهم اقتصاد العالم، فيقول بعض أصحاب العقول المريضة: كيف هو يلعنهم في كتابه، ومع ذلك يعطيهم؟! نقول: افهم يا مسكين، يعطيهم استدراجاً ليزدادوا إثماً: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا) [آل عمران:178].

ويقول بعض أصحاب العقول المريضة: فلان يصلي الجمعة والجماعات، ولا يؤذي النمل، ولا يأخذ ما ليس له، ويؤدي الزكاة، ويجاهد ويحج، ومع ذلك هو فقير، فنقول: يا مسكين: انظر إنه يبتلي من خلقه ما يرفع درجاتهم، ما يرفع بهذا الابتلاء درجاتهم، ويعظم لهم حسناتهم، ويبتلي صبرهم ليجازيهم الجزاء الأوفى.

قال أبو الفرج ابن الجوزي -رحمه الله-: "وهذه حالة قد شملت خلقاً كثيراً من الجهال أولهم إبليس؛ فإنه نظر بعقله، فقال: كيف يفضل الطين على هذه النار المضيئة؟! فاتهم حكمة الله، واعتقد أنه أفضل ممن خلقه الله بيده، وهكذا من الخلق من يتابعه".

قال ابن الجوزي: "دخلت على إنسان كثير الاعتراض على الله، وكان عليه جَرَب -مصاب بمرض الجرب-، فقال: علام يبتليني؟!".

ولما جاء لبعض الناس طعام، وهو في مرحلة متقدمة من العمر قد سقطت أسنانه، قال: بعث لي هذا في وقت لا أقدر على أكله! اعتراض على الله -سبحانه وتعالى- إساءة ظن بالرب.

قال: كان رجل قد قارب الثمانين سنة كثير الصلاة والصوم، فمرض، واشتد به المرض، -العبادة لوحدها دون عمل القلب لا تكفي، العبادة بدون عقيدة صحيحة لا تكفي-، اشتد به المرض، فتلفظ هذا المسكين على فراش المرض قال: إن كان يريد أن يميتني فليمتني، أما هذا التعذيب فليس له معنى! لا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان!

ورأيت من ضاق عليه رزقه يقول: إيش هذا التدبير؟! يتهم تدبير الله -سبحانه وتعالى-، قال: وعلى هذا كثير من العوام إذا ضاقت أرزاقهم اعترضوا، وربما يقولون: ما عدنا نريد الصلاة، ما عدنا نريد التدين، إذا كان هذا آخرة التدين.

وما فهم ذلك الأحمق أن الله -سبحانه وتعالى- يفعل ما يشاء، وأنه يبتلي عباده ليخرجوا ما في صدورهم، إن الله سبحانه يعذب على الأعمال عندما تقع، فالله يعلم ماذا يفعل العباد، يعلم ماذا سيفعلون، لكن يريد أن يظهر علمه في الواقع لكي يكون العذاب والنعيم على هذه الأعمال الظاهرة التي تظهر في الواقع، حتى لا يأتي إنسان يوم القيامة، فيقول: رب: عذبتني على شيء في صدري ما أخرجته، عذبتني على شيء أكننته وما أظهرته، فيقول الله له: هذه أعمالكم مسطرة، مجموعة كلها.

وكذلك فمن ظن أن الناس مبخوسي الحق، يقول: أنا حظي ناقص وقليل، وأنني لا أستحق هذا التعذيب، أو هذا التضييق في الرزق، أو يقول: ظلمني ربي، ومنعني ما أستحقه، ونحو ذلك، فهذا إنسان من إساءته الظن بربه قال هذا الكلام، قال هذا الكلام بدلاً من أن يتوب إلى الله.

ومن ظن أن الله لن ينصر أولياءه، ولن ينصر الدعاة إليه، وأن الله لن ينصر المؤمنين فهو مسيء الظن بالله.

ومن إذا تأمل الشرق والغرب قال: إن الدولة ستكون لهم طيلة الوقت، فهو مسيء الظن بالله.

من قال: إن الله لن ينصر المؤمنين، وسيبقون مستغلين مستضعفين، مقهورين مسجونين، عليهم سيوف العذاب، وأنواع الابتلاء، وأن الله لن يظهرهم في الدنيا، فهذا مسيء الظن بالله: (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) [الحـج:15].

هذا الذي يظن أن الله لن ينصر رسوله، ولن ينصر دينه ليعلق حبلاً في السقف، ويلفه حول عنقه، فيشنق به نفسه، هكذا يقول الله لهم: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ)، فالله ناصر دينه.

والذين يقولون اليوم: المسلمون ينتقلون من ابتلاء إلى ابتلاء، المسلمون يخرجون من محنة، ويدخلون في محنة أخرى، المسلمون يقتلون في بلد ثم ينتقل التقتيل إلى بلد آخر، المسلمون لا أمل لهم في الظهور ولا النصر، نقول: هذا من سوء ظنك بالله، ألم يتعهد الله بأن ينصر من ينصره في الدنيا قبل الآخرة!! (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) [المجادلة:21]، (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحج:40]، والله الذي لا إله إلا هو ليأتين نصر الله، والله الذي لا إله إلا هو ليقومن الإسلام قومة يمحو الكفر، فلا يكون له وجود، هكذا أخبرنا الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-.

فاحذروا -أيها الإخوة- أن يتسلط اليأس إلى أنفسكم إذا رأيتم النكبات والبلايا تنزل بالمسلمين الواحدة تلو الأخرى، ولا نسمع بنصر كبير يحصل للمسلمين، نقول: انتظروا، فلتعلمن نبأه بعد حين، وستأتي الأنباء في عمرنا، أو في عمر من بعدنا بنصرة الإسلام وأهله؛ لأن الله تعهد بأن ينصر أولياءه، فلا بد أن ينصرهم، لا بد أن يأتي النصر، ولن تبقى الدولة للكفرة إلى آخر الزمان، يستحيل ذلك، مهما كان عندهم من التخطيط والزراعة، والصناعة والإدارة، والقوة والأسلحة، فلن تستمر لهم الدولة؛ لأننا على يقين بأن سينصر دينه، على يقين بأن الله سيظهر أولياءه.

انظروا إليهم الآن كيف تسقط دولهم، فتتلاشى، وتتمزق، وتتقطع، وانظروا إلى أشخاصهم كيف يكون الواحد منهم قد جمع من أسباب القوة ما جمع حتى ظن أنه سينتخب في المرة القادمة، فيسقطه الله -سبحانه وتعالى-، يرفع أقواماً، ويضع آخرين، (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) [الرحمن:29]، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26]، لو دامت لغيره ما وصلت إليه، فلا تدوم لأحد، ولا يبقى إلا الله ملك الملوك، يقول الله إذا طوى السماوات والأرضين بيمينه يوم القيامة يقول: "أنا الملك، أين ملوك الأرض؟!"، فلا يجيبه أحد، (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم) [غافر:16]، لا يجيبه أحد؛ لأن الناس كلهم موتى، فيجيب نفسه سبحانه: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر:16].

فإذا كان كل شيء بيد الله، فنحن علينا العمل -أيها الإخوة- والاجتهاد، والدعوة إلى الله، والقيام بحق الله، والله سينصر دينه، لا نقلق ولا نجزع؛ فالله سينصر دينه ولو بعد حين.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أوليائك، وحزبك المفلحين، اللهم أظهر دينك على الدين كله، اللهم ارفع سيف الذل عن المسلمين، اللهم كن معهم وانصرهم، اللهم أطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، اللهم انصر ضعيفهم، اللهم إنا نسألك أن ترينا يوماً قريباً فيه فرج المسلمين، اللهم قرّب ذلك اليوم يا رب العالمين، وأقر أعيننا بنصرة الإسلام والمسلمين.

(إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.




دار

دار
أختي الغالية
جزاكِ ربي كل الخير وكتب أجركِ
وسلمتي ياقلبي موضوع مهم
وانار الله قلوب الجميع بذكر الرحمن
جزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,
دارداردار
دار




الله يجزاك الجنان يارب
جعلة في موازين حسناتك يارب
موضوع قيم بارك الله فيكـ
فلآ تح ــرمنآ من جديد تميزك
لروح ــك بآقآت من الجوري



خلق الرحمة – الشيخ على بن عبدالرحمن الحذيفى


خلق الرحمة – الشيخ على بن عبدالرحمن الحذيفى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الحمد لله التواب الرحيم، الحليم العظيم، أحمد ربِّي وأشكرُه، وأتوبُ إليه وأستغفِرُه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذُو العرش الكريم، وأشهد أن نبيَّنا وسيِّدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه المبعوث بكلِّ خُلقٍ كريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ وعلى آله وصحبِه الناصِرين لشرع الله القَويم.

أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ التقوى؛ تكونوا من أهلها، فقد وعدَ اللهُ على أهلها أعظمَ الثواب، ورحِم أهلَها من العقاب.

أيها المسلمون:
ما أعظمَ نعمة الله على عبده إذا وفَّقه للإحسان لنفسِه بفعلِ كلِّ عملٍ صالحٍ، ووفَّقه للإحسان إلى خلق الله بما ينفعُهم في دينِهم ودُنياهم، فذاك الذي فازَ بالخيرات، ونجا من المُهلِكات، قال الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران: 133، 134].

ألا وإن الأخلاقَ الفاضلَة، والصفات الحسنة الحميدة لها عند الله تعالى أعظمُ المنازِل، يثقُلُ بها الميزانُ يوم الحساب، ويزكُو بها الكتاب.

عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «ما من شيءٍ أثقلَ في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُقٍ حسنٍ، وإن الله تعالى يُبغِضُ الفاحشَ البَذِيء»؛ رواه الترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".

وعن عائشة – رضي الله عنها – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن المؤمنَ ليُدرِك بحُسن خُلُقه درجةَ الصائم القائم»؛ رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: "صحيحٌ على شرطِهما".

وعن النوَّاس بن سمعان – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «البرُّ حُسن الخُلُق، والإثمُ ما حاكَ في صدرِك وكرِهتَ أن يطَّلِع عليه الناس»؛ رواه مسلم.

عباد الله:
إن الرحمة من الخُلُق العظيم أودعَها الربُّ في من شاءَ من خلقِه، وحُرِمَها الشقيُّ من الخلق، وقد رغَّب الإسلامُ في التخلُّق بالرحمة، ووعدَ الله على الرحمة الأجرَ الكريمَ، والسعادةَ الدنيويةَ والأُخرويةَ.

فقال تعالى في خاتَم الأنبياء والرُّسُل – عليهم الصلاة والسلام – نبيِّنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – وفي أمَّته: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الفتح: 29]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9].

وقال تعالى في رحمة الوالِدَين: ﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].

وأخبر الله تعالى أنه أرسلَ سيِّدَ البشرَ محمدًا – صلى الله عليه وسلم – رحمةً، فقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

ومن ثوابِ الله للرُّحماء: أن الله يرحمُهم، ومن رحِمَه الله لا يشقَى أبدًا. عن عبدالله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «الرَّاحِمون يرحمُهم الرحمن، ارحَموا من في الأرض يرحمُكم من في السماء»؛ رواه أبو داود، والترمذي، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".

ومن لا رحمةَ في قلبِه فهو جبَّارٌ شقيٌّ. عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا من شقيٍّ»؛ رواه أبو داود والترمذي – واللفظُ له -، وقال: "حديثٌ حسنٌ".

وتطيبُ الحياةُ وتصلحُ وتزدهرُ بالتراحُم والتعاطُف بين المُجتمع، وتشقَى المُجتمعات بالتظالًُم والعُدوان وفُقدان التراحُم. عن النُّعمان بن بشير – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثَلُ الجسَد الواحد إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالسَّهَر والحُمَّى»؛ رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي موسى – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنُ للمُؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا – وشبَّك بين أصابعِه -»؛ رواه البخاري ومسلم.

والرحمةُ من أعظم خِصال الإيمان، وأجلِّ أنواع الإحسان. والرحمة هي: رِقَّةُ القلب في المُكلَّف، تُوجِبُ بذلَ الخير ونفعَ المرحوم، وكفَّ الأذى عنه.

وهي صفةُ كمالٍ في المُكلَّف اتَّصَف بكمالها نبيُّنا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم -، وغيرُه من البشر دونَه في هذه الصفة العظيمة. قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

وفقدُ صفة الرحمة في المُكلَّف نقصٌ وعيبٌ يدخلُ عليه بسبب فقدِها من الشُّرور والآفات ما لا يُحيطُ به إلا الله.

وأما صفةُ الرحمة لربِّ العالمين فنُثبِتُ معناها وحقيقتَها على ما يليقُ بالله – عز وجل -، ونُفوِّضُ في كيفيَّتها، كما هو ثابتٌ عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين – رضي الله عنهم -.

والنِّعمُ كلُّها في الدنيا والآخرة من آثار رحمة الله، تدلُّ هذه النِّعم على رحمة الله الموصوف بها أزلاً وأبدًا، كما يجبُ له – سبحانه – ويليقُ به. قال الله تعالى: ﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [الروم: 50].

ومن فسَّر رحمةَ الله بالثواب أو النِّعم فهو مُخالِفٌ لما عليه السلفُ الصالح؛ فرحمةُ الله لا تُشبِه رحمةَ المخلوق، كما أن ذاتَ الله تعالى لا تُشبِه أحدًا من المخلوقات.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لما خلقَ الله الخلقَ كتبَ كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتِي تغلِبُ غضبي»؛ رواه البخاري ومسلم.

والرحمةُ في الإسلام يتقرَّبُ بها المُسلمُ إلى الله تعالى ببَذلِها لكل ما هو أهلٌ لها حتى البهائِم. عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «بينما رجلٌ يمشِي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطشُ، فوجدَ بئرًا فنزلَ فيها فشرِبَ، ثم خرجَ. فإذا كلبٌ يلهثُ يأكلُ الثَّرَى من العطش. فقال الرجلُ: لقد بلغَ هذا الكلبَ من العطش مثلُ الذي كان بلغَ بي، فنزلَ البئرَ فملأَ خُفَّه ماءً ثم أمسكَه بفِيه حتى رَقِيَ فسقَى الكلبَ، فشكرَ الله له، فغفَرَ له». فقالوا: يا رسول الله! إن لنا في البهائِم أجرًا؟ فقال: «في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ»؛ رواه البخاري ومسلم.

وعن عبدالرحمن بن عبدالله عن أبيه قال: كُنَّا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في سفَرٍ، فانطلقَ لحاجته. فرأينا حُمُرة معها فرخَان، فأخذنا فرخَيْها، فجاءت الحُمُرة – وهي نوعٌ من الطير -، فجعلَت تعرِشُ وتُرفرِفُ، فلما جاء النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من فجِعَ هذه بولدَيْها؟ ردُّوا ولدَها إليها».

ورأى قريةَ نملٍ قد أحرقناها، فقال: «من أحرقَ هذه؟» قلنا: نحن. قال: «إنه لا يُعذِّبُ بالنار إلا ربُّ النار»؛ رواه أبو داود.

وقد جاءت الشرعيةُ بوجوب رحمة الضُّعفاء والمساكين والأيتام والمُحتاجين، وبوجوب بذلِ الرحمة لكلِّ أحدٍ هو لها أهلٌ.

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «كافِلُ اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتَين في الجنَّة – وقرنَ بين السبَّابة والوُسطى -»؛ رواه مسلم.

وعن أنسٍ – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من عالَ جاريتَيْن – أي: بنتَيْن – حتى تبلُغَا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتَين – وضمَّ أصابِعَه -»؛ رواه مسلم.

وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «هل تُنصَرون وتُرزَقون إلا بضُعفائِكم؟!». حديثٌ صحيحٌ؛ رواه البخاري مرسلاً، ووصلَه غيرُه بإسنادٍ صحيحٍ.

وفي الحديث: «ليس منَّا من لم يرحَم صغيرَنا ويعرِف شرفَ كبيرِنا»؛ رواه أبو داود.

قال الله تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعَنا بهدي سيِّد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله مُعزِّ من أطاعه واتَّقاه، ومُذِلِّ من خالفَ أمرَه وعصاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا إله سِواه، وأشهد أن نبيِّنا وسيِّدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه ومن اتَّبَع هُداه.

أما بعد:
فاتقوا الله واخشَوا يومًا تُرجعون فيه إلى الله، ثم تُوفَّى كلُّ نفسٍ ما كسبَت وهم لا يُظلَمون.

أيها المسلمون:
اعمَلوا بأخلاق الدين القَويم الذي رضِيَه الله لكم، ولا تغُرَّنَّكم الحياة الدنيا.

واحذَروا – عباد الله – من أسباب قسوة القلوب؛ فإن من أسباب قسوة القلوب: الانكِبابُ على الدنيا وإيثارُها على الآخرة، قال الله تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: 16، 17].

وإن من أسباب قسوة القلوب: هو رُكوبُ المعاصِي التي تغرُّ والتي تُقسِّي القلوب؛ فأبعدُ القلوب من الله القلبُ القاسِي. قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88، 89].

وكان من دُعاء النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اللهم آتِ نفسِي تقواها، زكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم اهدِني لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدِي لأحسنِها إلا أنت، واصرِف عنِّي سيِّئَها لا يصرِفُ عنِّي سيِّئَها إلا أنت».

وكان يُكثِرُ – عليه الصلاة والسلام – بالدُّعاء: «اللهم يا مُقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلبِي على دينِك».

عباد الله:
اشتدَّت الكُروب، وقسَت القلوب، فأصلِحوها بالقرآن وذِكر الله وطاعته، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28].

عباد الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقد قال – صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».

فصلُّوا وسلِّموا على سيِّد الأولين والآخرين وإمام المرسلين.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.

اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابتِه أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتِك يا أرحم الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم وأذِلَّ الكفر والكافرين، ودمِّر أعداءَك أعداء الدين يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألُك أن تُيسِّر أمورَنا، وتشرحَ صدورَنا، اللهم أغنِِنا بحلالِك عن حرامِك، وبطاعتك عن معصيتك، وفضلِك عمَّن سِواك يا رب العالمين.

اللهم أحسِن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجِرنا من خِزيِ الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم إنا نسألُك العفوَ والعافية في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أصلِح أحوالنا يا رب العالمين، وأحوال المسلمين يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم انصر المسلمين، اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم انصر المسلمين في الشام، اللهم انصر الأطفال في الشام، اللهم انصر الشيوخ والنساء والأرامل والمسلمين الذين ظُلِموا يا رب العالمين من أولئك الظالمين.

اللهم عجِّل يا رب العالمين نقمتَك وعذابَك وأنزِل بأسَك بالظالمين في الشام الذين ظلَموا المسلمين يا رب العالمين، اللهم إنهم طغَوا وبغَوا وإنك أنت الله لا إله إلا أنت، أنت العليُّ على كل شيء، وأنت القادر على كل شيء، اللهم اكفِ المسلمين يا رب العالمين شِرارَهم، اللهم اكفِ المسلمين شرَّ الأشرار، وكيدَ الفُجَّار.

اللهم أعِذنا من شُرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين.

اللهم اجعل هذه البلاد آمنةً مُطمئنَّةً، رخاءً سخاءً، وسائرَ بلاد المُسلمين يا رب العالمين.

اللهم آمنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم وُلاة أمورنا.

اللهم خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، وأعِنه على كل خيرٍ يا رب العالمين، اللهم وارزُقه الصحةَ إنك على كل شيء قدير.

اللهم وفِّق وليَّ عهده لما تحبُّ وترضى، ولما فيه الخيرُ للإسلام والمسلمين يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألُك يا ذا الجلال والإكرام أن تنصُر دينكَ وكتابَك وسُنَّة نبيِّك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تكِلنا إلى أنفُسنا طرفةَ عينٍ ولا أقلَّ من ذلك يا رب العالمين.

اللهم أعِذْنا وذريَّاتنا من إبليس وذريَّته وشياطينه وجنوده، اللهم أعِذ المسلمين يا رب العالمين من إبليس وذريَّته.

اللهم عليك بالسَّحرة، اللهم عليك بالسَّحرة والمُشعوِذين، اللهم عليك بهم، اللهم أنزِل بهم أعظم العقوبات يا رب العالمين، وأبطِل كيدَهم، ولا تُسلِّطهم على أحدٍ من المُسلمين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.

عباد الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 90، 91].

واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدْكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.




دار



دار

دار
أختي الغالية
جزاكِ ربي كل الخير وكتب أجركِ
وسلمتي ياقلبي موضوع مهم
وانار الله قلوب الجميع بذكر الرحمن
جزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,
دارداردار
دار




جزاك الله الجنه حبيبتى
سلمت يداكِ

دار





أفعال الله وقدرته وجبروته – الشيخ محمد صالح المنجد

أفعال الله وقدرته وجبروته – الشيخ محمد صالح المنجد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدْيِ هدْيُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.


أشرقت السموات والأرض بنور الله، وصلحت عليه جميع المخلوقات، لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، ويرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خَلقه، أفعاله عظيمة، كما أن أسماءه عظيمة، أفعاله حكيمة، كما أنه -سبحانه وتعالى- له الصفات الحسنى، فكذلك أفعاله حسنة وحُسنى وجميلة، له ما سكن الليل والنهار، يُطعِم ولا يطعَم.


وهو -سبحانه وتعالى- يكشف الضر، ويجيب دعوة المضطرين، (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا…) [الأنعام:59]، وهو الذي يتوفاكم بالليل والنهار، وهو القاهر فوق عباده، وهو الذي ينجيكم في ظلمات البر والبحر.


لا يلهيه شيء عن شيء، ولا تختلف عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأصوات، تأتي الوفود المختلفة والجموع المتباينة فيلجؤون إليه في يوم عرفة، وينادونه بمختلف اللغات على تنوع الحاجات، فلا يشغله شيء عن شيء، ولا يغلط بتنوع هؤلاء واختلاف حاجاتهم، فيسمع دعاءهم، ويعرف نداءهم، ويميز أصواتهم، ويدرك لغاتهم، ويقضي حاجاتهم.


"يا عبادي، لو أن أوَّلَكم وآخركم، وإنسكم وجِنّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيتُ كلَّ واحدٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي"، له الحكمة البالغة -سبحانه وتعالى-، (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) [الرعد:33]، (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) [البقرة:255].


هو الحي لا يموت، والإنس والجن يموتون، له ما في السماوات وما في الأرض، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، (يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) [فاطر:41]؟.


وهو -عز وجل- الذي تقوم السماء والأرض بأمره، وأفعالُه فضلٌ وعدلٌ، حكمةٌ ورحمةٌ، دائرة بين الفضل والعدل، معللة بالحكمة، فلا يوجد فيها عبث: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الدخان:38-39]، وقال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) [ص:27].


خلق السماوات والأرض ليعلم العباد قدرته وسعة سلطانه، خلق هذا الكون ليُعبَد فيه، وليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بما عملوا، يجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وكذلك ليجزي كل صاحب سوء بما عمل، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون:115]؟.


أفعال الله تعالى قائمة على العدل والرحمة، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت:46]، (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [البقرة:57]، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف:156]، ومن رحمته إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وبيان الحجج.


لا يُسأل الله عن أفعاله، كما قال في كتابه: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23]، كل يوم هو في شأن -سبحانه وتعالى-، يغني فقيراً، ويجبر كثيراً، يعطي قوما ويمنع آخرين، يحيي ويميت، يرفع ويخفض، لا يتبرم من إلحاح الملحين في الدعاء، ولا من طول مسألة الداعين، وهكذا فإنه -سبحانه وتعالى- يحاسب العباد ولا يحاسبونه، ويسألهم ولا يسألونه، (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) [الحج:14].


أفعاله -تعالى- تتعلق بمشيئته: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران:26].


يرزق من يشاء بغير حساب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، يؤتي ملكه لمن يشاء، يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، والله يؤيد بنصره من يشاء، ويتوب الله على من يشاء، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، وربك يخلق ما يشاء ويختار.


أفعاله ليست كأفعال المخلوقين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يا عبد الله: هل تستطيع أن تُكلم ثلاثة أشخاص في وقت واحد؟ هل تستطيع أن تمسك بأربع سماعات هاتف وترد عليهم في وقت واحد؟.


الله يسمع كلام الناس في العالَم في البر والبحر، بالعربية والسريانية، بالأعجمية، باللغات المختلفة، يعلم ما يقولون، هذا يطلب ولدا، وهذا مغفرة، وهذا مالا، وهذا شفاء مرض، وهذا قضاء دَيْن، وهذا دفْع عدو، وهو يعلم ما يطلب هذا وهذا، وهم يطلبون في صعيد عرفات في يومٍ واحد، في ساعة واحدة، وهو يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا، فيعطي هذا ويؤخر هذا ويعجل لهذا ويمنع هذا؛ لحِكَمٍ، ويعوض هذا من عنده -سبحانه وتعالى-.


يجب الرضا بأفعال الله -عز وجل-، وهذا من الرضا بالقدر؛ لأن القدر هو فعل الله تعالى، ما هو القدر؟

فعل الله في الخلق، أخذ، قبض، حرمان، إعطاء، مرض، صحة، أفعاله في خلقه، يسلب ويهب، يمنح ويحرم، يعطي ويأخذ… -سبحانه وتعالى- يزيد من يشاء وينقص من يشاء، ويأخذ ممن يشاء.

ولذلك عندما تحدث حالة وفاة نقول: "إنا لله "، كم لَكَ من مالِكٍ؟

فإذا كنا مِلْكَاً له فلْيأخُذ مَن يشاء، ويترك من يشاء، يُبقِي مَن يشاء، ويؤخر من يشاء -سبحانه-.

أفعاله مبنية على قدَره السابق الذي كتبه في اللوح المحفوظ، كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحج:22].


نسأل الله -عز وجل- أن يحفظنا بحفظه، وأن يرحمنا برحمته، وأن يرزقنا وهو الرزاق، نسأله -عز وجل- أن يعطينا وألا يحرمنا، وأن يعزنا ولا يذلنا، وأن يكرمنا ولا يهيننا، سبحانه! إنه أكرم مسؤول.


أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا هو، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، ومصطفاه، أمينه على وحيه، وصفيه من خلقه، وخليله من عباده، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذريته الطيبين، وأزواجه وخلفائه الميامين، صلى الله عليه وعلى آله والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.


عباد الله: أفعال الله مدهشة، فمِن أفعاله الاستدراج ثم الأخذ على حين غفلة، قال ربنا: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) [الأعراف:182، القلم:44]، (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55-56]، إن الله يُملي للظالم، يمهله يؤخره يؤجله، حتى إذا أخذه لم يفلته.


(فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) [الزخرف:55]، (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام:44]، (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) [آل عمران:178]، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102].


وقال: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ)، فبينما هم في الطغيان، والدنيا الملهية، والغنى المشغِل، والسلطان المطغي، إذا بأمر الله يأتي، (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:45].


وهكذا يرينا في الواقع من أفعاله ما يجعل المؤمنين يسبِّحونه، والناس أجمعين قد أصابتهم الدهشة من تقديره وما يفعله بالظلَمة في أخذه توقيتاً وطريقةً وكيفيةً وأسلوباً، ليقول لنا ربنا إنه قوي عزيز، وإنه مالك الملك، يأخذ من يشاء -سبحانه وتعالى-، وليقول لنا إن له ملك السماوات والأرض، وإن ملك العباد زائل، وإنه الحي الدائم -عز وجل- لا يبقى إلا وجهه -سبحانه وتعالى-.


ولذلك كان السلف إذا أخذ الله ظالما سجدوا شكرا لله، وقد سجد أبو بكر الصدِّيق شكرا لله لما جاء خبر مقتل مسيلمة الكذاب، وسجد علي بن أبي طالب شكرا لله لما رأي جثة ذا الثدية في قتلى الخوارج، وتأكد بالآية النبوية الموصوفة له أن هؤلاء هم الخوارج الذين قاتلهم علي بحق.


وسجد عدد من السلف لله شكرا لما جاء مقتل الحجاج الظالم سفاك الدماء، وتلا بعضهم قول الله تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).


فأما من استهزأ بشيء من الدين والشرع المبين، واعتدى على سنة النبي الأمين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وعادى أولياء الله، فإنه لا يجوز الترحم عليه؛ فكيف يُدعَى بالمغفرة والرحمة لمن اعتدى على سنة محمد -صلى الله عليه وسلم-؟.


عباد الله: إن ربكم تواب رحيم، ذو الفضل العظيم، عزيز حكيم، ابتلى إبراهيم بكلمات، وسمع نداء يونس في الظلمات، واستجاب لزكريا فوهبه على الكبر يحيى هاديا مَهديا، وحنانا من لدنه وكان تقيا.


أزال الكرب عن أيوب، وألان الحديد لداود، وسخّر الرياح لسليمان، وفلق البحر لموسى، ورفع إليه عيسى، وشق القمر لمحمد -صلى الله عليه وسلم-.


نجَّى هود وأهلك قومه، ونجى صالحا من الظالمين فأصبح قومه في دارهم جاثمين، وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم، وفدى إسماعيل بذبح عظيم، وجعل عيسى وأمه آية للعالمين، ونجى لوطاً وأرسل على قومه حجارة من سجيل منضود، ونجى شعيباً برحمته، وأهلك مدين بعدله، أَلَا بُعدا لمدينَ كما بعدت ثمود!.


أغرق فرعون وقومه، ونجاه ببدنه ليكون لمن خلفه آية، وخسف بقارون وبداره الأرض، ونجى يوسف من غياهب السجن وجعله على خزائن الأرض.


أضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وأسعد وأشقى، وأوجد وأبلى ورفع وخفض، وأعز وأذل، وأعطى ومنع، ورفع ووضع، هدى نوحاً وأضل ابنه، واختار إبراهيم وأبعد أباه، ولعن فرعون وهدى زوجته، وأنقذ لوطا وأهلك امرأته، واصطفى محمدا -صلى الله عليه وسلم- ومقت أبا لهب عمه، وجعل من أنصار دعوته أبناء منهم من اقترب أبوه كأبي سفيان، ومنهم من مات كأبي جهل.


والله -جل وعلا- يُرغم أنوف الطغاة، ويمزق شمل الجبابرة، ويخفض رؤوس الظلَمة، دمر سد مأرب بفأرة، واهلك النمرود ببعوضة، وهزم أبرهة بطير، وعذاب امرأة في هرة حبسَتْها، وغفر لبغي في كلب سقته، نظر في عين الاختيار إلى آدم فحظي بسجود الملائكة، وإلى ابنه القاتل، وإلى نوح فنجاه من الغرق، وإلى إبراهيم فكساه حلة خلته، وإلى إسماعيل فأعان الخليل في بناء كعبته.


وأعرض عن إبليس فخُري ببعده ولعنته، وعن نمرود وفرعون وقارون، وهو -عز وجل- يفعل ما يشاء، يرفع أولياءه ويخفض أعداءه، وله الجبروت، -سبحانه وتعالى-، حبيب الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الملتجئين، وأمان الخائفين، يحب التوابين، ويحب المتطهرين.


اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن تكتبنا من عتقائك من النار، وأن تدخلنا الجنة برحمتك يا غفار.





سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
شكرا لطرحك المضوع والتذكير بعظمة الخالق
اللهم اعمرقلوبنا بذكرك




دار
دارأختي الغالية
دارلله درك وبشرك الله فى الجنة
دارجزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
داربارك الله فيِك وأثابكِ ونفع بك ِ
داريــ ع ـطيكـ الــ ع ـآآفيهـ على مآطرحتي لنآآ يـآآلــ غ ـلآآآ ,,

دارلكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,
دار




ماذا تفعل إذا ركبتك الهموم – الشيخ محمد صالح المنجد

ماذا تفعل إذا ركبتك الهموم – الشيخ محمد صالح المنجد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: لقد خلق الله الدنيا مميزة عن الآخرة، وجعل في دار الابتلاء بضد ما في دار الكرامة، فكما أن دار الكرامة وهي الجنة لا هم فيها، ولا حزن، ولا غم، ولا ألم، فإن في الجنة ما به تسر أرواح المؤمنين، وما يكون فيه بهجة ولذة دائمة.

وأما الدنيا، فهي دار هموم وغموم، وأحزان وآلام، ولكن من رحمة الله –تعالى- أنه يخلق الداء ويخلق الدواء، ويقدر هذا الألم، ويعرفنا بما يعالجه ويزيله.

وكثيراً ما تركب الإنسان في الدنيا هموم وغموم وأحزان، فالحزن في الحاضر، والغم على شيء مضى، والهم من شيء سيأتي.

فماذا يفعل الإنسان إذا أصابته الهموم والأحزان، وما هي العلاجات الشرعية عندما تركبه هذه الآلام؟

إن هنالك كثيراً من الأمور في الكتاب والسنة، فمن هذا: أن يستصحب الإنسان المسلم معية الله –تعالى-، فالله -عز وجل- مع عبده المؤمن، وهذه ثمرة الإيمان، هذه ثمرة صحة الاعتقاد، هذه فائدة التوحيد، ألم تر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما ركب الحزن قلب صاحبه قال له: "لا تحزن إن الله معنا" [رواه البخاري 3652].

فداوى حزن صاحبه بتذكيره بمعية الله، فإذا شعر العبد المؤمن أن الله معه، أن الله -سبحانه وتعالى -يداويه ويعالجه، أن ربه -سبحانه وتعالى- متكفل به، فهو إذا توكل عليه، وفوض الأمر إليه، أزاح همه، وأزال غمه، وعالج حزنه سبحانه وتعالى.

وكذلك: أن يعلم العبد أن هذه طبيعة الدنيا، فعند ذلك يسري عن نفسه بأنه أمر لا بد منه، ولا يمكن النجاة والفكاك من هذا بالكلية؛ لأنه طبع فيها.

ولذلك كان من المعالجات للهموم والغموم والأحزان بدلاً من الحبوب المهدئة، والعلاجات المشكوك فيها، بدلاً من المنومات المضرة: أن يجعل المسلم همه الآخرة، فإن من جعل همه في الآخرة وقاه الله هموم الدنيا، وعالج قلبه من وطأتها.

وكذلك من العلاجات: كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذلك جاء في حديث أبي بن كعب -رضي الله عنه-: أنه كان له ورد يقوله، وأدعية في وقت من يومه، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: كم أجعل لك من دعائي، من وردي؟

قال: "ما شئت" قال: الربع، قال: "ما شئت" قال: الثلث؟
قال: "ما شئت" قال: النصف؟
قال: "ما شئت" قال: إذن أجعل لك دعائي، وأجعل وردي وذكري هذا كله صلاة عليك، قال: "إذن تكفى همك ويغفر لك ذنبك"[رواه الترمذي 2457].

إذن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- تزيل الهموم، ويكفى الإنسان بها من الغموم.

وكذلك من العلاجات القرآنية النبوية: هذه الأدعية التي علمنا إياها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب العرش الكريم"[رواه البخاري 7431].

إذن "لا إله إلا الله الحليم الكريم" تهليلة مختومة باسمين عظيمين: "لا إله إلا الله رب العرش العظيم"، القدرة "لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم".

كذلك علمنا أن نقول إذا أصاب أحدنا هم أو غم: "اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك" التحكم الكامل.

"ناصيتي بيدك، عدلٌ فيّ قضاؤك" هذا اعتراف مهم جداً، مهما كتبت علي لا اعتراض، مهما كتبت علي، ذهاب نفوس، خسارة أموال، ظلم يقع علي من أقارب أو أباعد، مهما كتبت علي أنا ملكك، إنا لله وإنا إليه راجعون.

"عدلٌ في قضاؤك" لا يوجد تبرم من القضاء، اعتراف العبد بعدل الله حتى في حال الحزن والغم والهم والمصائب التي تغشاه.

"ماضٍ في حكمك" هذا الاستسلام للقضاء والقدر.

"أسألك بكل اسم هو لك" سؤال الله بأسمائه وصفاته سؤال عظيم، وفي الدعاء شأنه عظيم.

"أسألك بكل اسم هو لك، أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه"[رواه أحمد 4318].

هذا دعاء علمنا إياه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمر بتعلمه، فشأنه وأثره والتداوي به نافع جداً.

دعوات المكروب: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث"[رواه الترمذي 3524].

"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن"[رواه البخاري 2893].

الاستعاذة نافعة أيضاً.

وكذلك -يا مسلم يا عبد الله-: أن تعلم بأن الغموم والهموم والأحزان مهما بلغت، مهما بلغت فإن لها نهاية حتى لو كان الموت والذهاب من الدنيا، لكن الذهاب على دين وإيمان، قال: المؤمن مستريح، الموتى نوعان: مستريح ومستراح منه، المؤمن يستريح من هم الدنيا، وغمها، وعنائها، ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي، أنه عليه الصلاة والسلام أخبر بأن روح المؤمن إذا قبضت وذهب بها إلى أرواح المؤمنين واجتمع بهم وجعل بعضهم يسأله: ما فعل فلان؟ ما خبر فلان؟ فيقول بعضهم لبعض: "دعوه فإنه كان في غم الدنيا"[رواه النسائي 1833].

ألم تر أنه قال في الدعاء: "وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون"[رواه الترمذي 3233].

وكذلك: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر"[رواه مسلم 2720].

المؤمن في النهاية حتى لو وصلت إلى الموت راحة، لكن الله -عز وجل- يخفف، ويهون، ويزيل، ويقشع، ويذهب، وهو على كل شيء قدير.

ثم أيضاً من المعالجات: النظر في إيجابيات المكروه الذي حصل، والغم الذي نشأ عنه، والحزن والهموم التي تركب، مثل حديث: "لا يفرك مؤمن مؤمنة" لا يكره "إن كره منها خلقاً رضي بآخر" [رواه مسلم 1469].

ولذلك قد تكون أحياناً المصائب التي تقع فيها جانب خير؛ مثل حديث: "ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه"[رواه البخاري 5641].

فهذا مؤلم لكن له فائدة، ومن تأمل حديث: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير"[رواه مسلم 2999].

عرف هذا المقصود، يعني: أنه حتى الأشياء السيئة التي تحصل والمكروهة والمؤلمة له فيها خير، عبد الله بن المغفل -رضي الله عنه- روى حديثاً عجيباً، أن رجلاً قد يكون حديث عهد بالإسلام، وجد امرأة كانت بغياً ثم أسلمت، فجعل يكلمها حتى بسط يده إليها، فقالت: مه، جاء الله بالإسلام، يعني حرم هذا، فارعوى الرجل واستدار وانصرف، فلقيه جدار شجه، جعل ينزف، فذهب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وأخبره، حصل مني كذا وكذا وصار لي بعدها مباشرة كذا وكذا، قال: "أنت عبد أراد الله بك خيراً" لماذا؟ قال: "من أراد الله به خيراً عجل له عقوبة ذنبه"[رواه أحمد 16806].

ومن أراد به غير ذلك سيلقى هذه الآثام أكواماً يوماً الدين، يوافى بها كلها، إذن، هذا الشيء المؤلم فيه فائدة، كفارات.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على نبيك محمد، حامل لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، وأزواجه، وصحابته، والتابعين، وعنا معهم بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

عباد الله:

الصلاة، الصلاة: "أرحنا بها يا بلال"[رواه الطبراني في المعجم الكبير 6215].

الصلاة لو كانت خاشعة تزيل الهموم حقاً: "كان إذا كربه أمر فزع إلى الصلاة".

وكذلك ذكره، وتلاوة كتابه، والمواضع التي تسكن الآلام من كتابه.

وكان الشافعي -رحمه الله- لما مرض أمر رجلاً أن يقرأ عليه آيات آل عمران التي فيها ما حصل للصحابة من الغم العظيم: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ سورة)[آل عمران:165].

(وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا)[آل عمران:139].

وذكر ما في هذه المصائب من الفوائد: (وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ)[آل عمران:141].

ليميز الله، ليكفر عنهم أسوأ الذي عملوا.

عباد الله: وإن اللجوء إلى الله في وقت الأزمات والملمات، وإنزال الحاجة به، وهو سبحانه كريم وعلى كل شيء قدير، سريع المفعول.

والله عندما نرى كثرة ما يصيب الناس من الأزمات النفسية، والاكتئاب، والإحباط، والانهيارات العصبية، وأحياناً ما يؤدي إلى الانتحار، والذهاب إلى الأطباء النفسانيين، والتكلفة الباهظة والمئات والآلاف، وجلسات المعالجات النفسية عند الأخصائي النفسي، والجلسة بكذا، وماذا تقول؟! استرخِ! عبر عما في نفسك! حبوب مهدئة! ماذا لديهم؟!.

لكن ما عند الله أعظم، ما في الكتاب والسنة أعظم، هذه علاجات -يا جماعة- ما لها أي نتائج سلبية، ولا مضاعفات جانبية، وإذا كانت تلك ظنية الفائدة هذه قطعية الفائدة، والمفعول أقوى، والنتائج أسرع.

العلاء الحضرمي -رضي الله عنه- رجل عجيب، من الصحابة من أولياء الله، لما صارت ردة العرب، أرسله أبو بكر -رضي الله عنه- على رأس جيش من المسلمين؛ لقتال المرتدين في شرق الجزيرة، فساروا وساروا ثم نزلوا منزلاً أول ما نزلوا قالوا: نفرت الإبل التي عليها خيامهم، وطعامهم، وزادهم، وشرابهم، وكل شيء، نفرت، وهربت وشردت، وحاولوا اللحاق بها ما استطاعوا فركب الناس هم عظيم، وقعدوا حتى جعل بعضهم يوصي بعضاً؛ لأنهم شعروا بقرب الهلاك، والموت في هذه المفازة، وهذه الصحراء، فقال لهم العلاء -رضي الله عنه-: ألستم أنصار الله؟ ألم تخرجوا في سبيله؟ أليس هو على كل شيء قدير؟ قوموا فادعوه، وجعل يرفع يديه ويدعو وهم يؤمنون، وألح بالدعاء وألح، قال: فأنبع الله بجانبهم ماءاً فلما شربوا منه رجعت إليهم إبلهم كلها لم يفقدوا منها واحداً، الدعاء مفعوله عظيم، والله يجيب دعوة المضطر.

العلاجات في الكتاب والسنة -أيها الإخوة- لموضوع الهموم والغموم، والآلام والأحزان، موضوع واسع، وفي علاجات كثيرة، وحتى الأشياء المادية، فمثلاً أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن التلبينة: تجم الفؤاد: "إنه ليرتو فؤاد الحزين، ويسرو عن فؤاد السقيم"[رواه ابن ماجة 3445].

يعني: المريض المرض الحسي، وكذلك المعلول العلة المعنوية

"التلبينة مجمة لفؤاد المريض، تذهب ببعض الحزن"[رواه البخاري 5417].

وقد وصف العلماء التلبينة: بأنها حساء الشعير، وقال بعضهم: حساء الدقيق.

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "والأليق بالمريض المرض الحسي أن تطبخ له حبوباً غير مطحونة، والمريض أو المعلول بالآلام النفسية أن يكون ذلك الشعير مطحوناً" -الحساء- وقال بعضهم: يجعل معه العسل.

وكانت عائشة -رضي الله عنها-: إذا أصاب أحداً من أهلها مصيبة أمرت له بالتلبينة، هذا الحساء يجم، والله خالق الأطعمة، ويجعل ما شاء من الخصائص فيها.

الشاهد -أيها الإخوة-: أن الشرع هذا كامل وعظيم وما في شيء تركه: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ)[الأنعام:38].

وكم يحتاج الناس إلى هذه الأشياء في الدنيا التي نعيشها الآن، في هذا العصر، وهذا الأوان، الذي كثرت فيه المصائب، وكثرت فيه الآلام والأحزان، كثر فيه الظلم، عم فيه الطغيان، صار بعض الناس يأكل بعضاً.

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة.

وهكذا، وهكذا.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يغفر لنا أجمعين، وأن يتوب علينا ويلحقنا بالصالحين.

اللهم اقض ديوننا، واكشف غمومنا، اللهم اغفر ذنوبنا، واهد ضالنا، واشف مريضنا، وارحم ميتنا، واجمع على الحق كلمتنا.

اللهم إنا نسألك الأمن والإيمان يا رحمن أخرجنا من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا، أدخلنا الجنة مع الأبرار، أعتقنا بفضلك من النار.

اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه وأنت على كل شيء قدير، وأنت الكريم الرحيم الحليم العلي العظيم، اللهم إنا نسألك أن تعجل الفرج لإخواننا المستضعفين يا رب العالمين، اللهم اجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية، نسألك العفو والعافية في ديننا ودنيانا، وأهلينا وأموالنا، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا، آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، واجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، يا رحمن يا رحيم.

لا تخرجنا من هذا البيت من بيوتك إلا وقد غفرت لنا، وكتبتنا من عتقائك من النار، يا رب العالمين يا أرحم الراحمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.




عظم الله أجرك شيخنا الجليل
وجمعك الله وولدك بجناته اللهم آميين
والهم قلبك الصبر والسلوان




اللهم امين
وجزاك الله خير اخت عبير
والهم الله شيخنا الصبر والسلوان
وثبتنا عند الشدائد والمصائب
ولا حول ولا قوه الا بالله العلي العظيم
ولا حرمك الله الاجر
تقبلي ودي واحترامي



بارك الله فيك يا اخت واكقر من امثالك ..
فى انتظار المزيد .. ورحم الله شيخنا ..
دار



دار

دار
أختي الغالية
جزاكِ ربي كل الخير وكتب أجركِ
وسلمتي ياقلبي موضوع مهم
وانار الله قلوب الجميع بذكر الرحمن
جزاك الله كل خير فائدة عظيمة جعلها الله في موازين حسناتك
لكِ ودى وتقديرى وتقييمي لك ياقلبي,,,
دارداردار
دار




دار




اتباع الهوى صوره – خطره – علاجه – الشيخ أسامة خياط

اتباع الهوى صوره – خطره – علاجه – الشيخ أسامة خياط

دار


أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، فإن التقوى خير زاد يصحب المسلم في رحلته إلى الله والدار الآخرة حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

أيها المسلمون، إن مجانبة الضلال والسلامة من الغواية والنأي عن فساد العمل منتهى أمل المسلم، وغاية أمله وذروة مقصده، لذا ليس عجباً أن ينبعث له حس مرهف وشعور يقظ، وفكر حي يحمله على تمام الحذر من كل ما يحول بينه وبين سلوك سبيل الاستقامة، فإن الحوائل كثيرة، وإن العوائق عديدة، غير أن من أظهر هذه الحوائل وأقوى هذه العوائق أثراً وأشدها خطراً اتباع الهوى, على معنى أن يكون دليل المرء وقائده ومرشده ما تميل إليه نفسه, ويهواه قلبه, ويلتذ به حسه لا ما يأمره به وينهاه عنه الله ورسوله.


ولما كان المسلم مأموراً بأن يجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، كما قال سبحانه مخاطباً أشرف خلقه وخاتم أنبيائه صلوات الله وسلامه عليه: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى للَّهِ رَبّ الْعَـالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162، 163]؛ كان اتباع الهوى عاملاً خطيراً في النأي بحياة المسلم عن هذا الأصل العظيم من أصول السعادة وأسباب النجاة، ولذا حذّر سبحانه في حشد من آيات كتابه العزيز من اتباع الهوى مقروناً بجملة من الصفات المقبوحة والأحوال المرذولة التي تعد مع ذلك من الأسباب الباعثة عليه والمفضية إليه.


فمن ذلك عدم العلم بالله وآياته وشرعه، ومنه القول على الله بغير علم، كمن يتصدى للفتوى دون أن تجتمع فيه شروطها وآدابها، فيكون من نتيجة ذلك أن يفتي الناس بما تهوى الأنفس, لا بمقتضى الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيورد نفسه بذلك ويورد غيره موارد الهلاك, ويكون وبالاً على الأمة وسبباً في الانحراف عن الحق كما قال سبحانه: (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام:119].


ومن ذلك الغفلة عن ذكر الله والإعراض عن شرعه, فإنها تحمل المسلم على ترك ما أمر به, ونهي عنه, والانصراف إلى شهوات النفس ولذات الحس وجعلها منتهى همّه, وغاية مقصده، فلاحظ في نفسه لغيرها، بل يكون حاله مشابهاً لحال الدواب والعجماوات.


ويزداد عظم الخطر عندما ينصرف المرء عن شريعة ربه بالكلية مصماً أذنيه عن البينات والهدى فتتشعّث عليه أموره, ويشيع الاضطراب في حياته، ولذا حذر سبحانه المؤمنين من هذه العاقبة فقال سبحانه: (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28].


ومنها الإخلاد إلى الأرض، والركون إلى الدنيا والعمل لها والرضا بها، حتى تكون أكبر همه ومبلغ علمه, لها يعمل, وإليها يقصد, ولأجلها يناضل، وفيها يوالي ويعادي، حتى يقعد به ذلك عن سمو الهدف ورفعة الغاية وشرف المقام الذي ينشده ألو الألباب بعملهم لله والدار الآخرة، فتكون عاقبة أمره خسراً وندامة لا تنتهي, وحسرة لا تنقطع, كما قال سبحانه: (وَأتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى ءاتَيْنَـاهُ ءايَـاتِنَا فَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَـانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـاهُ بِهَا وَلاكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ) [الأعراف:175، 176].


ومنها الظلم، والظلم يا عباد الله، تتسع أبعاده وتتنوع دروبه، فلا يقتصر على ظلم الإنسان نفسه بالمعاصي حتى يوردها موارد الهلاك، بل يتجاوز ذلك إلى ظلم غيره بألوان كثيرة تندرج كلها تحت مفهوم التعدي عليهم في الأنفس أو الأموال أو الأعراض فيورثه ذلك من ظلمات يوم القيامة ما لا منجى له منها كما قال سبحانه: (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَاءهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الروم:29].


ومنها تزيين سوء العمل في نفس صاحبه، فإن المرء إذا زين له سوء عمله انعكست لديه الموازين, فأصبح يرى الحق باطلاً، والباطل حقاً، والحسد قبيحاً، والقبيح حسناً، وإنها لمحنة يا لها من محنة، كما قال سبحانه: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ وَتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ) [محمد:14].


ومنها الظن، الذي لا يغني من الحق شيئاً، كما قال سبحانه: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ الْحَقّ شَيْئاً) [النجم:28]، وكما قال سبحانه: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الْهُدَى) [النجم:23].


ثم إن لاتباع الهوى في دنيا الواقع صوراً كثيرة لا يحدها حد, ولا يستوعبها حصر، غير أن من أعظمها خطراً، وأشدها ضرراً، ما يكون من اتباع الهوى في ميدان الحكم بين الناس، والفصل بينهم في الدماء والأموال والأعراض، ولذا أمر سبحانه نبيه داود عليه السلام بالحكم بين الناس بالحق, ونهاه عن اتباع الهوى لأن عاقبة ذلك الضلال عن سبيل الله, فقال تعالى: (يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـاكَ خَلِيفَةً فِى الأرْضِ فَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِلْحَقّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [الآية ص:26].


وكذلك أمر سبحانه نبيه وأشرف خلقه وأعلمهم بربه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بما أنزل الله، وحذره من اتباع الأهواء فقال تبارك وتعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ النَّاسِ لَفَـاسِقُونَ) [المائدة:49].


وبين له أن مآل اتباع أهواء الضالين مفضٍ به وهو رسول رب العالمين إلى الضلال والخيبة والخسران, فقال سبحانه: (قُلْ إِنّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ) [الأنعام:56].


ولا ريب يا عباد الله، أن هذا كله توجيه للأمة من بعده, وتحذير لها, وهدى وذكرى لأولي الألباب.


ومن صور اتباع الهوى أيضاً اعتداد المرء بنفسه وذهابه بها مذاهب العجب والغرور حتى يشمخ بأنفه, ويستعلي على غيره, ويأنف من قبول الحق ومن الإذعان للنصح متبعاً هواه، مضرباً عن كل ما سواه من البينات والهدى.


ومنه الحكم على الآخر وفقاً لما يمليه عليه هواه ولما يستقر في نفسه من آراء، فإذا بذلك يحمله على ترك العدل، والمسلم مأمور بالعدل مطلقاً، حيث قال سبحانه: (يَـاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْولِدَيْنِ وَلاْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) [النساء:135].


ومن صور ذلك أيضاً أن تكون للرجل زوجات فلا يقم بمقتضى العدل بينهن, بل يتبع هواه فيحمله ذلك على الميل إلى إحداهن كل الميل، ويذر ما سواها كالمعلقة، بل إن الأمر ليتمادى به إلى تعامله مع أبنائه أيضاً, فإذا هو ميّال إلى بعضهم دون بعض، يرفعه ويهب له ويجعله محضياً بكل ألوان الرعاية والعناية، ويدع غيره من أبنائه مبعداً محروماً منسياً.


ومن صور ذلك أيضاً أن يتبع المعلم هواه فلا يقوم بما يجب عليه من العدل بين طلابه بجعل المفاضلة بينهم قائمة على أسس من الجد والاجتهاد ورعاية حق العلم, بل يميل إلى طائفة أو فرد منهم مقدماً من حقه التأخير, أو مؤخراً من حقه التقديم، اتباعاً للهوى وإعراضاً عن الحق.


وكم لاتباع الهوى في دنيا الواقع من صور, وكم لها من أضرار وآثار لا تقع تحت العد, ولا يستوعبها المجال، وحاصل ذلك أن اتباع الهوى والانقياد له مفض إلى الانحراف عن الصراط المستقيم, والحيدة عن طريق الله القويم, وإلى خسران الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.


وعلاج ذلك ـ يا عباد الله ـ أن يجعل المرء هواه تبعاً لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن لا يقدم على أمر الله ورسوله شيئاً مهما عظم شأنه وعلا قدره, وأن يحتكم في كل دقيق وجليل من أمور حياته إلى حكم الله, ويرضى به ويسلم, فتكون عاقبة ذلك أن يرضى ويغضب لله, وأن يحب ويبغض في الله، وأن يعطي ويمنع لله.
فاعملوا ـ رحمكم الله ـ على مجانبة اتباع الهوى, وانأوا بأنفسكم عن سلوك كل سبيل يفضي إليه تكونوا من المفلحين, وصدق الله إذ يقول: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَـاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) [الجاثية:23].


نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله ولي المتقين, أحمده سبحانه يعز الطائعين ويذل العاصين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله, شفيع المؤمنين وقائد الغر المحجلين، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.


أما بعد:

فيا عباد الله، إن اتباع ما أنزل الله من البينات والهدى والعمل به والتسليم له عاصم للمرء من اتباع الأهواء وحافظ له من التردي في وهدتها, مورثه إياه سعادة جعلها الله خالصة لمن اتبع شريعته واهتدى بهديه, وأعرض عن كل ما سوى ذلك، كما قال سبحانه مخاطباً عبده ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم آمراً إياه باتباع شريعته، محذراً له من اتباع الأهواء قال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَـاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مّنَ الأَمْرِ فَتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّـالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَللَّهُ وَلِىُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية:18، 19].

فهذا ـ يا عباد الله ـ هو الطريق المستقيم الموصل إلى رضوان الله والظفر بجناته، فالزموه واستمسكوا به ـ رحمكم الله ـ وحذار من اتباع الهوى فإنه الداء كل الداء.




دار





دار
جزاك المولى خير الجزاء
يعطيك العافية وبارك الله فيك
ع اختيارك للموضوع الرائع والمهم ..جعله الله في ميزان حسناتك
دآئمآً مميزه بآختياراتك .. تسلم دياتك يالغاليه
دمتي بحفظهـ

دار




كيف نشكر الله تعالى على نعمه – الشيخ على بن عيد الرحمن الحذيفى

كيف نشكر الله تعالى على نعمه – الشيخ على بن عيد الرحمن الحذيفى

دار

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مُباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، له الحمدُ في الدنيا والأخرى، لا نُحصِي ثناءً على ربنا هو كما أثنى على نفسه بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العِزَّة والجَبروت، لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المُصطفى المبعوثُ بالرحمة والهُدى، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك وخليلك محمدٍ، وعلى آله وصحبه البَرَرة الأتقياء.
أما بعد:
فاتقوا الله – أيها المسلمون – بفعل ما أمرَكم به، وترك ما نهاكُم عنه؛ فمن اتقى الله وقاه، وصرفَ عنه من المهالكِ والشُّرور ما يخشاه، وأحسنَ عاقبتَه في دُنياه وأُخراه فجعل الجنةَ مأواه.
أيها الناس:
إن نعمَ الله علينا لا تُعدُّ ولا تُحصى، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 18].
ونعمُ الله على الخلق منها ما يعلمُه العباد، ومنها ما لا يعلمونه، وشُكرُ نعم الربِّ – جل وعلا – بمحبَّة المُنعِم – تبارك وتعالى – من القلب الصادق، وبدوام طاعة الله وترك معاصِيه، وبالثناء على الربِّ – تبارك وتعالى – بما أنعمَ، وتعظيم النعم والتحدُّث بها تواضُعًا لله واعترافًا بفضل الله – عز وجل -، واستعمالها فيما يُرضِي الله – تبارك وتعالى – وعدم الاستعانة بها على معاصِي الله – عز وجل -.
فمن آمنَ بالله – سبحانه – وابتعدَ عن معاصِيه فقد شكرَ ربَّه العزيزَ الوهابَ.
وهذا الشكرُ على لرسالة السماوية بالإيمان أعظمُ أنواع الشُّكر، وأعظمُ أنواع الحمد لله رب العالمين.
ثم يكون بعد ذلك شكرُ كل نعمةٍ بخُصوصها إلى أصغر وأقل نعمةٍ، وليس في نعمِ الله وآلائه صغيرٌ ولا قليلٌ؛ بل كل نعم الله جليلةٌ وعظيمةٌ، يُوجِبُ الله بها على العبد الحمدَ والشكرَ، فلربنا العزيز الوهاب الثناءُ الحسن، والحمدُ والشكرُ على نعمه كلها التي نعلمُها والتي لا نعلمُها، حمدًا ينبغي لجلال وجه ربِّي وعظيم سُلطانه، حمدًا يُوافي نعمه ويُكافِئُ مزيدَ فضله.
ومن يكفر بالإيمان ويركَب المعاصي فقد كفرَ بنعمة الرسالة التي منَّ الله بها على المُكلَّفين، وكفرُ نعمة الرسالة السماوية أعظمُ أنواع الكفر.
ثم يأتي بعد ذلك: الكفرُ بكل نعمةٍ بخصوصها، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان: 2، 3].
ومن شكرَ نعم الله تعالى زادَه، ومن كفَر بنعم الله تعالى عاقبَه، قال الله تعالى:﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].
وفي الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من قال في أول يومه: اللهم ما أصبحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقك من نعمةٍ فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمدُ ولك الشكرُ؛ فقد أدَّى شُكرَ ليلته، ومن قال ذلك حين يُمسِي فقد أدَّى شُكر يومه»؛ وهو حديثٌ حسنٌ.
وهل أعظمُ من نعمة الإيمان والإسلام والقرآن؟!
فيا أيها المسلمون:
اشكُروا الله تعالى واحمَدوه على هذه النعمة المُهداة، والمنَّة المُعطاة، واشكُروه على نعمه العظيمة وآلائه الجَسيمة.
ومما منَّ الله به علينا في هذه البلاد: نعمةُ الإيمان والأمان وعُموم الأمن والاستقرار، ومما خصَّ الله به هذه المملكةَ الحرمان الشريفان منبعُ الإسلام، وموطنُ نزول القرآن الكريم، وبُزوغ شمس الإسلام على البشر بالتوحيد والرحمة والعدل والسلام وكرامة الإنسان، قال الله تعالى في نبيه – صلى الله عليه وسلم – وأنزلَ عليه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].
ومن النعم التي أُعلِنَت : توسِعةُ المسجد النبوي الشريف التوسِعةَ النافعةَ المُباركة، الضافِية الكافِية، وهي نعمةٌ من الله على جميع المُسلمين في كل مكانٍ عمومًا، وعلى أهل المدينة خُصوصًا، والتي وضعَ حجر أساسِ هذه التوسِعة خادمُ الحرمين الشريفين: الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود – حفظه الله ووفقه -.
ومن قبلها قريبًا: توسِعة المسجد الحرام زيادة على التوسِعات السابقة من آل سعودٍ المُوفَّقين الكُرماء على الحرمين، القائمين على مصالح المُسلمين – وفقهم الله تعالى لما فيه عِزُّ الإسلام -، ونفع الله بهذه التوسِعة المُسلمين وباركَ فيها.
وجزى الله تعالى خادمَ الحرمين الشريفين الجزاءَ الأوفى على ما قدَّم ويُقدِّم لشعبه ووطنه وللإسلام والمُسلمين.
والحرمان الشريفان بركتُهما ونورُهما ونفعُهما للمُسلمين وغير المسلمين، فالله تعالى يدفعُ بالعبادة فيهما الكوارِثَ والنوازِلَ عن أهل الأرض كلها، أو يُقلِّل العقوبات النازِلة على الأرض ببركة العبادة في الحرمين الشريفين، وببركة العبادة في الأرض لله رب العالمين، قال الله تعالى:﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251].
ومجيءُ خادم الحرمين الشريفين من إجازته التي كان فيها خارجَ المملكة إلى المدينة النبوية أولاً وقصدًا لزيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على سيد البشر – صلى الله عليه وسلم -، والسلام على صاحبَيْه أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما – له دلالاتٌ عظيمةٌ؛ منها:
أن البدءَ بزيارة المسجد النبوي الشريف والتشرُّف بالسلام على خير البشر نبيِّنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، والسلام على صاحبَيْه أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما -، ثم إقامة حفل وضع حجر الأساس لتوسِعة خادم الحرمين الشريفين للمسجد النبوي في ساحة المسجد النبوي والمنقولة للعالَم. البدءُ بهذا في المجيءِ من السفر من الردود الصائِبة المُوفَّقة التي تردُّ على المُتطاولين والأراذِل من البشر الذين ينتقِصُون سيدَ ولد آدم نبيِّنا وحبيبِنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، والذين يُريدون أن يحجُبوا شمسَ نبيِّنا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – بجناح الذُّباب، أو يُريدون أن يقتلِعوا الجبلَ الطودَ الشامِخَ بنفخةٍ من أفواههم.
قال الله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 32].
ومن أعظم الردود على المُتطاولين على سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: التمسُّك بسُنَّته من كل مسلم، وتطبيقُ شريعته، وعدم الانسياقِ وراء أعمالٍ لا يُقِرُّها الإنسان.
والتمسُّك بالتوحيد بعبادة الله وحده لا شريك له في العبادة، والدعوة إلى مشر محاسن الإسلام، ودعوة الناس إليه.
ومن نُصرة الله – تبارك وتعالى – ونُصرة رسوله – صلى الله عليه وسلم -؛ فإن نُصرة الله: أن يستقيمَ على شرع الله – تبارك وتعالى -، وأن يدعُو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن ينصُر الله في كل حالٍ.
ومن دلائل هذه الزيارة: اهتمامُه – حفظه الله – بأهل المدينة جيران رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذين أوصَى رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – برعاية حقوقهم، وعظَّم حقوقَهم على الأمة في أحاديث كثيرة عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
وليعلَم العالَمُ أن دينَنا أعزُّ علينا من كل شيءٍ، ونحن بغير الإسلام لا دُنيا لنا ولا آخرة، ولا عِزَّة ولا كرامة، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 5].
فتذكَّروا – عباد الله – نعمَ الله عليكم، واشكُروه على آلائه وفضله، واستقيموا على دينه، وانصُروا اللهَ في أنفُسكم، وادعُوا إلى الله – تبارك وتعالى – بهديِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، واتباع سُنَّته، والتمسُّك بشريعته، قال الله تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة: 151، 152].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المُرسَلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله الحليمُ العظيمُ، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
عباد الله:
اعملوا الأسبابَ التي يرضى بها عنكم ربُّكم – تبارك وتعالى -، واجتنِبوا الأسبابَ التي تُغضِبُ الله عليكم؛ فليس بينكم وبين الله سبب إلا بالعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾ [سبأ: 37].
وفي الحديث: عن النبي – صلى الله عليه وسلم -: «الحلالُ بيِّن والحرامُ بيِّن وبينهما أمورٌ مُشتبَهات، فمن اتَّقى الشُّبهات فقد استبرَأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشُّبُهات وقع في الحرام». ولا يهلِك على الله إلا هالِك.
واعلموا أن الله هو الذي يُدبِّر الكونَ كلَّه علويَّه وسُفليَّه على ما يُريد، قال الله تعالى: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ [هود: 107].
فعلى المُؤمن أن يعمل بأسباب النجاة، ويجتنِب أسبابَ الهلكَة، وعليه أن يثِقَ بالله ويتوكَّل عليه ويشكُر الله على السرَّاء والضرَّاء، ويصبِر على النعم، فلا يبطُرها ولا يكفُرها، ويصبِر على الضرَّاء بالاحتِساب لله – عز وجل -.
وليعلَم المسلمُ أن كل قضاءٍ يقضِيه الله عليه خيرٌ له في العاجل والآجل، إذا عمِل بالطاعة، وترك المعاصي، ولله تعالى أن يبتلِيَ عبادَه، وليس للعباد أن يمتحِنوا ربَّهم، وفي حديث سلمان – رضي الله عنه -: «عجَبًا لأمر المؤمن إن أمرَه كلَّه خيرٌ، إن أصابَته سرَّاء شكَر فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرَّاء صبَر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن».
عباد الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقد قال – صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
فصلُّوا وسلِّموا على سيدنا وحبيبِنا سيدِ الأولين والآخرين، نبيِّا محمدٍ – صلى الله عليه وسلم -، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما بارَكتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الصحابة سادات الأمة أجمعين اللهم وارض عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحْب أجمعين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وارضَ عن الحسن والحُسين، وارضَ عن أمهما البتُول فاطمة بنت الرسول سيدة نساء العالمين، اللهم وارضَ عن ذريتها المُبارَكين إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عن آل بيت رسولك محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – المُبارَكين، اللهم وارضَ عن زوجات رسولك – صلى الله عليه وسلم -، وعن آل بيته الذين قال الله فيهم وفي زوجات رسوله – صلى الله عليه وسلم -: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33].
اللهم اغفر لنا ذنوبَنا، وإسرافَنا في أمورنا، وثبِّت أقدامَنا يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أعِنَّا على ذِكرك وشُكرك وحُسن عبادتك، اللهم ألهِمنا رُشدَنا وأعِذنا من شُرور أنفُسنا، اللهم أعِذنا من شُرور أنفُسنا ومن سيئات أعمالنا، وأعِذنا من شر كل ذي شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم أعِذنا من الشيطان الرجيم ومن نزَغاته ومن وساوسه، اللهم واحفَظنا وذرياتنا والمُسلمين من إبليس وجنوده وشياطينه يا رب العالمين.
اللهم اجعل بلادَنا آمنةً مُطمئنة، رخاءً سخاءً، وسائر بلاد المسلمين.
اللهم آمِنَّ في أوطاننا، اللهم أصلِح وُلاةَ أمورنا، اللهم أصلِح وُلاةَ أمورنا، اللهم وفِّقهم لما تُحبُّ وترضى، ولما فيه الخيرُ والعزُّ للإسلام والمُسلمين يا رب العالمين.
اللهم وفِّق عبدكَ خادمَ الحرمين الشريفين، اللهم وفِّقه لما تحبُّ وترضى، ولما فيه عِزُّ الإسلام والمُسلمين، اللهم أعِنه على ما فيه الخيرُ وما فيه الصلاحُ ولفلاحُ لشعبه وللمسلمين يا رب العالمين ولعِزِّ الإسلام، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم إنا نسألك أن تُغيثَنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا أرحم الراحمين، اللهم أغِثنا يا أرحم الراحمين، اللهم أغِثنا يا أرحم الراحمين، برحمتك إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم اغفِر لأمواتنا وأمواتِ المسلمين، اللهم اغفِر لأمواتنا وأمواتِ المسلمين.
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].
عباد الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.


دار




دار
جزاك المولى خير الجزاء
يعطيك العافية وبارك الله فيك
ع اختيارك للموضوع الرائع والمهم ..جعله الله في ميزان حسناتك
دآئمآً مميزه بآختياراتك .. تسلم دياتك يالغاليه
دمتي بحفظهـ

دار