سبحان من قهر الجبابرة بجبروته

سبحان من قهر الجبابرة بجبروته

دار


الحمد لله العظيم القهار، القوي القدير الجبار؛ فرض الفرائض، وحدَّ الحدود، وربك يخلق ما يشاء ويختار، أمر بتعظيم شعائره، وجعل ذلك من تقوى القلوب، ورتَّب على ذلك الفوز بالمحبوب والنجاة من المرهوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المطلع على الظواهر والبواطن، وهو علام الغيوب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، وخليله المجتبى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -تعالى-، فإن الاقتصار عليها سلامة, والترك لها ندامة, وأحثكم على إجلال الله وتعظيمه, وتوقير كبريائه وقدرته, والانتهاء إلى ما يقرّب من رحمته, وينجّي من سخطه, ويُنال به ما لديه من كريم الثواب, وجزيل المآب.

واجتنبوا ما خوّفكم الله من شديد العقاب, وأليم العذاب, ووعيد الحساب, يوم تقفون بين يدي الجبار, يوم لا تكلّم نفس إلا بإذنه, فمنهم شقي وسعيد, يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه, لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، يوم لا يجزي والد عن ولده, ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئًا. فلا تغرّنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنّكم بالله الغرور.

فإن الدنيا دار غرور وبلاء وشرور، واضمحلال وزوال، وتقلّب وانتقال, أفنت من كان قبلكم, وهي عائدة عليكم وعلى من بعدكم. من ركن إليها صرعته, ومن وثق بها خانته, ومن أمّلها كذبته, ومن رجاها خذلته. عزها ذل, وغناها فقر, والسعيد من تركها, والشقي من آثرها, والمغبون فيها من باع حظه من دار آخرته بها.

عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، وعظموه حق تعظيمه، فإنه -سبحانه- هو القوي القهار، الكبير المتعال، هو الجبار الذي خضعت السموات والأرض لقدرته وإرادته، هو الواحد القهار الذي قهر كل مخلوقاته، الكبرياء رداؤه، والعظمة إزاره، سبحانه وتعالى خلق الشمس والقمر، وسخر الليل والنهار، وأجرى بقدرته السحاب يحمل بحار الأمطار، فسبحانه من إله عظيم، خضعت له الرقاب، ولانت لقوته الصعاب.

عباد الله: كثيرًا ما تكون بعض الألفاظ موهمة لمن لم يتبين معناها ويعرف فحواها, وكثيرًا ما يُؤتَى المرء من سوء فهمه، فقد يتخيل بعض المسلمين أن أسماءً مثل الجبار والمنتقم والقهار هي أسماء يقصم الله بها الظالمين، وينتقم بها من الجبابرة, وتدل على العقاب والانتقام فقط كما يتصف به جبابرة الخلق والعياذ بالله, وهذا التصور منشؤه عدم معرفة حقيقة أسماء الله وصفاته العليّة, والوقوف على معانيها ودلالاتها؛ ولذلك لم نوظّفه في حياتنا، أو نحيا به، وربما عشنا عمرًا طويلاً ولم نكن نشعر بمضمون أسماء الله الحسنى, والحقيقة الغائبة عن كثير من المسلمين أن اسم الله الجبار يدل على منتهى الرحمة واللطف والرأفة والرقة والعطف بالمؤمنين.

أيها المسلمون: إن الجبر الإلهي بكل معانيه صفة من صفات الكمال الإلهي المطلق, ولا يستعمل جل وعلا جبروتَه في موضع إلا تحقيقًا لخيرٍ أو دفعًا لشرٍّ, وهو -سبحانه- مستحقّ للحمد على جبروته، كما هو مستحق الحمد على رحمته ومغفرته وكرمه.

إن الجبار -سبحانه- قهر الجبابرة بجبروته، وعلاهم بعظمته ومجده، وفاقهم بكماله، لا يجري عليه حكم حاكم فيجب عليه الانقياد، ولا يتوجه عليه أمر آمر فيلزمه امتثاله، سبحانه وتعالى آمرٌ غير مأمور, قاهرٌ غير مقهور (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء: 23].
وما سواه من المخلوقات فهو مقهور مملوك، ضعيف عاجز، فقير فانٍ، ومن هذه صفته من المخلوقات كيف يليق به التكبر والتجبر وهذه حاله؟!.

أيها المؤمنون: لقد أثنى الله -تبارك وتعالى- على ذاته العلية، فوصف نفسه بأنه الجبار، قال -تعالى-: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) [الحشر: 23].

وقد وصف نبينا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- ربه -وهو أعرف الخلق به- بأنه الجبار، فعن عبد الله بْن عُمَر -رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ هَكَذَا بِيَدِهِ، وَيُحَرِّكُهَا، يُقْبِلُ بِهَا وَيُدْبِرُ: "يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ، أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ، أَنَا الْكَرِيمُ، فَرَجَفَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمِنْبَرُ حَتَّى قُلْنَا: لَيَخِرَّنَّ بِهِ" (أحمد (5414) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 7/596).

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تَكُونُ الأرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَكْفَأ أحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلاً لأهْلِ الْجَنَّةِ" (البخاري (6039, ومسلم 5000).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر وهو يقول: "يَأْخُذُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ بِيَدَيْهِ" (مسلم 2788).
وهذا كله ثناء عاطر ووصف باهر لرب العالمين المستحق وحده للكبرياء والعظمة والجبروت.

عباد الله: والجبار لغة هو المصلح للأمور، يجبر الكسير ويصلحه، ويجبر الفقير ويغنيه، ويجبر المريض ويشفيه، ويجبر الخاسر ويعوّضه، ويهلك الظالمين والطغاة.

والجبار -سبحانه- هو يجبر الضعيف والفقير بالقوة والغنى، ويجبر الكسيرَ بالسلامة، ويجبر المظلومَ بالنصر، ويجبر الخيبةَ والفشلَ بالتوفيقِ والأملِ، والخوفَ بالسلامة والأمن، ويجبر المنكسرة قلوبهم بتعويضها، وإحلال الفرح والطمأنينة فيها، وما يحصل لهم من الثواب والعاقبة الحميدة إذا صبروا على ذلك من أجله.

كما أنه جبّار يصلح أمور عباده، يرأب الصدع، ويلم الشمل، ويغني الفقير، ويجبر الكسير، ويعطي المحروم، ويرفع الذليل، وهو كما يقال: يجبر الخواطر، ولقد دعانا أن نتوجه إليه ليجبرنا؛ وما أروع ما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ينزل الله في كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ". (صحيح الجامع 8166).
وهذا كله من لطف الله وكرمه وجبره لخلقه ورحمته بهم.

والجبار -سبحانه- هو الذي يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته، وهو الذي قهر خلقه على ما أراد من أمر ونهي، قال -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) [ق: 45] أي: لست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، ولم تُكَلَّف بذلك، فهو -سبحانه- جبار تنفُذ مشيئته في خلقه، لا غالب لأمره، وهو (يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) [الرعد: 41]، وفي بعض الكتب "عبدي أنا أريد، وأنت تريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد". ومن ذلك ما جاء في القرآن العظيم أن الجبار هو من لا تستطيع أن تغلبه، قال -تعالى-: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) [المائدة: 22]، أي أقوياء لا يُهزمون، ومنها يقولون: أجبره أي أكرهه على ما أراد.

والجبار -سبحانه- هو الذي لا يُنَال جانبه، وهو المنيع العزيز الذي لا يُدرَك إحاطةً من قِبَل خلقه، قال -تعالى-: (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: 103]، فكل جبار وإن عظُمت قوته فهو تحت قهر الله -عز وجل- وجبروته، وفي يده وقبضته؛ إذ الجبار -سبحانه- عالٍ على خلقه، وهو مع علوه عليهم قريبٌ منهم يسمع أقوالهم، ويرى أفعالهم، ويعلم ما توسوس به نفوسهم.

أيها المسلمون: وكثيرًا ما يُصاب الناس من جهة عدم فهم النصوص الشرعية، وممن ضل فهمُه في هذا الاسم الشريف فرقة الجبرية أهل الضلال، فقد جانبوا الصواب، وزاغوا في مفهوم الجبار، وزعموا أنه الذي يُكرِهُ العبادَ على الفعل، وسلبوا العبيد اختيارهم وحريتهم، وقولهم مردود مرفوض؛ لقوله -تعالى-: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ..) [البقرة: 256]، وقوله جل وعلا: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد:10].
وإنما يسقط اختيار العبد ويرتفع التكليف والمسئولية عنه في الأمور التي لا علاقة له بها، أو لا يقدر على تغييرها، أو التعامل معها، كالسنن الكونية التي لا تحويل فيها ولا تبديل، وكالحركات اللاإرادية في الإنسان كحركة القلب، وسريان الروح في الأبدان، وهكذا.

يا عباد الله: تتنوع صور جبره -سبحانه- و-تعالى- لخلقه، وتدبيره لهم، وتصريفه لشئونهم، ومن ذلك أنه -سبحانه- الذي جبر خلقه على ما أراد من أمر ونهي، فشرع لهم من الدين ما ارتضاه، كما قال -سبحانه-: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3]، فشرع للعباد ما شاء من الشرائع، وأمرهم باتباعها، ونهاهم عن العدول عنها، فمن آمن فله الجنة، ومن عصى فله النار، ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل جعل لهم المشيئة في ذلك، وهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئته، كما قال -سبحانه-: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:28 – 29].

وجبر خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خلقٍ.. ولا يمتنع عليه شيء منهم أبدًا، فلا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، قال -تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82].
وقال -سبحانه-: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) [يوسف: 21].

وجبر الأجهزة التي تعمل في جسم الإنسان، فهي مقهورة قهرًا إلهيًّا على العمل بالنحو الذي تعمل عليه، وكلها تعمل بنظام ثابت ومحكم بلا تدخل من الإنسان، وكذلك النجوم والكواكب وسائر الأفلاك والمجرات جبرها بقهره الإلهي تتم في تناسق عجيب ونظام دقيق معجز بالطريقة التي جبرها عليها.

وجبرك حيث يُنسيك الإساءة التي تعرضت لها، والويلات التي ذقتها. ويجبُر بخاطر التائبين بأن يقبل توبتهم، ويقيل عثرات المؤمنين، ويغفر زلاتهم عندما يخطئون، فيسامحهم ويعفو عنهم لسابق إحسانهم.

ويجبر بخاطر الأمة عندما يكسرها عدو بأن يحقق لها نصرًا، أو يُدخِل عدوها في الإسلام. ويُجبر بخاطر الخَدَم والعمال بأن فرَض لهم حقوقًا في الإسلام عند من يعملون لديهم، فعن داود بن أبي عاصم قال بلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ".. اتقوا الله وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن جاءوا بشيء من أخلاقهم يخالف شيئًا من أخلاقكم، فولّوا شرّهم غيركم، ولا تعذبوا عباد الله". (مصنف عبد الرزاق (17934)، وقال الألباني: صحيح).

ويجبر -سبحانه- بخاطر اليتامى؛ حتى ينسيهم فقدان والديهم والوحشة التي يعيشونها، قال -سبحانه-: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) [البقرة: 220] وكما يجبر بخاطر من يجبر بخاطر اليتامى؛ جزاءً له على رحمته، وتعويضًا له على ما قدّمه، فعن سَهْل بْن سَعْدٍ -رضي الله عنه- عَن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّق بينهما قليلاً" .[أحمد والبخاري (6005) وغيرهما].

ويجبر بخاطر المرأة بسبب ما صحب خِلْقتها من الضعف والرقة والنقص، فعَنْ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ -رضي الله عنه- قَالَ: شهدت مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَجَّةَ الوَدَاعِ، فَقَالَ: "أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ" (صحيح الجامع 7880) وجبرهن بأن جعل لهن نصيبًا في الميراث لم يكن لهن إياه قبل الإسلام.

عباد الله: إن الجبار الحق -سبحانه- يدين له كل شيء، ويخضع له من سواه، وهو بهذا المعنى ليس وصفًا ذميمًا في حق الله -عز وجل-؛ لأنه -تبارك وتعالى- منزّه عن كل ما يناقض كماله المطلق من جوْر وظلم ونسيان وجهل…؛ لأن الجبروت المذموم هو أن تقهر شخصًا آخر على ما لا يريد بما لا يقدر ولا يستحق، والحق تبارك و-تعالى- لا يفعل ذلك, وإذا قهر -جل وعلا- مخلوقًا على شيء فلمصلحةٍ وإن عجز المخلوق عن إدراكها ومعرفتها.

أما جبروت البشر فمذموم؛ لأنه يعتريه الظلم والجور، ويصحبه العمى والجهل، ويرافقه الحقد والانتقام؛ لذا أنكرت الرسل على أقوامهم صفة التجبر والتكبر في الأرض بغير الحق، كما قال -سبحانه- حكاية عن هود -عليه السلام-: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) [الشعراء:130- 131]، ولكنهم عاندوا واتبعوا أمر جبابرتهم، فهلكوا أجمعين؛ قال -تعالى-: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [هود: 59]، والتكبر سببٌ للطبع على القلوب، فلا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا؛ قال -تعالى-: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) [غافر: 35].

إخواني: إن الخلق موصوفون بصفات النقص، مقهورون مجبورون، تؤذيهم البقة، وتأكلهم الدودة، وتشوشهم الذبابة، الواحد منهم أسير جَوْعَة، وصريع شِبْعَة، ومن تكون هذه صفته كيف يليق به التكبر والتجبر؟!.

اللهم إنا نعوذ بك من الكبر والمتكبرين، نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الملك الجبار العزيز الغفار، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المختار، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الأخيار، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.

أيها المؤمنون: اتقوا ربكم حق تقاته، وأحسنوا الظن به، واعلموا أنه إذا لجأ العبد منكسرًا إلى الجبّار -سبحانه-، فإنه سيجبره، وسيعيش أحلى لحظات العبودية، وسيجد منتهى القرب والرحمة من الله -سبحانه- عاجلاً أو آجلاً. إذ الجبار هو الذي يُجبرك كلما لجأت إليه.

أيها الأخ الكريم: كن جابرًا لمن حولك من الفقراء، وتصدق عليهم، واجبر المتخاصمين، وأصلح بينهم، واجبر المظلوم، وارفع الظلم عنه.

وأكثر من أوصى الله بجبر خواطرهم من الناس هم الوالدان، فإياك أن تكسِر خاطر أبيك أو أمك، أو تُدمِع أعينهم أو تكسِر قلوبهم، ولذلك ورد النفي بمعنى التحذير مرتين في القرآن من التجبر على الوالدين، مرة عن يحيى -عليه السلام-: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) [مريم:14]، ومرة على لسان عيسى -عليه السلام-: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) [مريم: 32]، إياك أن تشعر بالعار من أبيك أو أمك أو تَكسِر خاطرهما.

ثم لا تكن متجبرًا على خلق الله، فتعرّض نفسك لسخط الله في الدنيا، وعذابه في الآخرة، وقد توعد الله كل متكبر جبار بالعذاب الأليم يوم القيامة، كما قال -سبحانه-: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [إبراهيم: 15- 17].

أيها المسلمون: لقد حذّر النبي -صلى الله عليه وسلم- كل من تجبر من العباد وتكبر من العذاب الشديد، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ" (الترمذي (2492)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 8040) ، فالجبارون والمتكبرون يُحشرون يوم القيامة أمثال الذرّ يطؤهم العباد تحت أقدامهم.

وعن أَبِى هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" (أخرجه أبو داود (4090)، وصححه الألباني).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَانِ يَسْمَعُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنِ ادَّعَى مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبالْمُصَوِّرِينَ" (صحيح الترغيب والترهيب 3061).
وحذّر المتجبرين والمتكبرين من مصير مخيف، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ. وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لي لا يَدْخُلُنِي إِلا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ.." (البخاري 4850, ومسلم 2846).

وأكثر -أخي رحمني الله وإياك- من دعاء الله بهذا الاسم، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي" (الترمذي 284 وابن ماجه 898 وصححه الألباني).
قال ابن الأثير: "واجبرني، أي: أغنني، من جَبَر الله مصيبته: أي ردَّ عليه ما ذهب منه وعوضه، وأصله من جبر الكسر". وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: "ما دنوت من نبيكم في صلاة مكتوبة أو تطوع إلا سمعته يدعو بهؤلاء الكلمات الدعوات، لا يزيد فيهن، ولا ينقص منهن: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطَايَايَ وَذُنُوبِي كُلَّهَا، اللَّهُمَّ انْعَشْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِحِ الأَعْمَالِ وَالأَخْلاقِ، إِنَّهُ لا يَهْدِي لِصَالِحِهَا، وَلاَ يَصْرِفُ سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ" (الطبراني في الكبير (8/200)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/65): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).

عباد الله: إن معرفة الله -سبحانه- باسمه الجبار لها آثار عديدة، ومن ذلك: أن يؤمن المسلم بأن الله -تعالى- هو الجبار الذي له العلو على خلقه: علو الذات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر والجبر، ولا يشفع أحد عنده أو يتكلم إلا بإذنه، ولن يبلغ الخلق ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه.

ولا شك أن الله -سبحانه- جبر خلقه على ما أراد أن يكونوا عليه من خَلْقٍ، لا يمتنع عليه شيء منهم أبدًا، قال -تعالى-: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس:82]، كما جبرهم -سبحانه- على ما شاء من أمرٍ أو نهي، فشرع لهم من الدين ما ارتضاه هو، وقرَّر من الشرائع ما شاء، وأمرهم باتباعها، ونهاهم عن العدول عنها، فمن أطاع فله الجنة، ومن عصى فله النار.

ولم يجبر أحدًا من خلقه على إيمان أو كفر، بل لهم المشيئة في ذلك كما قال -سبحانه-: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]
وقال -تبارك وتعالى-: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 7 – 10]، وهم مع ذلك لا يخرجون عن مشيئته، ولو شاء لهدى الناس جميعًا، قال -سبحانه-: (أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا) [الرعد:31].

فثقوا -عباد الله- في وعده، واطمئنوا لذكره، واعبدوا ربكم واشكروا له لعلكم تفلحون.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت على الحق أقدامنا، اللهم اهدنا، واجبرنا، وأصلح جميع أحوالنا، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئ الأخلاق والأعمال لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين.

اللهم أعطنا ولا تحرمنا، زدنا ولا تنقصنا، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، واجعل أوسع أرزاقنا عند ضعفنا وكبر سننا، اللهم لا تحوجنا إلا إليك، ولا تذلنا إلا بين يديك، وصب علينا الرزق صبًّا، ولا تجعل معيشتنا كدًّا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، اللهم ارزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، آمين.. آمين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



دارياقلبي
بارك الله جهودكِ الطيبة
اسْأَل الَلّه ان يُجْزِيْك خَيْرَا عَلَيْه وَان يَجْعَلُه فِي مِيْزَان حَسَنَاتِك
بأِنْتِظَار كُل مَاهُو مُفِيْد وَقِيَم مِنْك دَائِمَاً
كل الشكر لكِ مع خالص الود والتقدير
دار

دار

يعطيك ربى الف عاااافيه على الطرح المفيد
جعله الله فى ميزان حسناتك يوم القيامه
وشفيع لك يوم الحساب ………
شرفنى المرور فى متصفحك العطر
دمت بحفظ الرحمن
جزاك الله خير الجزاء
جعله الله في ميزان حسناتك
انار قلبك بالايمان
ورزقك الفردوس الاعلى من الجنان
دمت بحفظ الرحمن
دار
جزاكِ الله خيرا وبارك فيكِ
………………
وسدد خطاكِ لما يحب ويرضى
……………….لا عدمنا جديدك القادم

دار

أسعدتني زيارتي لموضوعك
الله يعطيك العافية
سلمت يداكي موضوع في قمة الروعة
دار

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.